ومنهم من يتوهم أن ذلك يدفع عنهم وعن الإسلام شر الأشرار وطمع الكفار، وقد دلت التجارب أن هذا التنازل وتلك الاستكانة أطمعت فيهم الكفار وجرأتهم عليهم أكثر مما كان.
نحو الدعوة إلى التعايش السلمي مع الكفار، وإنشاء جمعيات لرعاية هذا العمل البطال.
ونحو عقد مؤتمرات توحيد الأديان والتقريب بينها وما إلى ذلك من الدعوات الكفرية.
ترتب على هذا الاستدلال الخاطي والقياس الفاسد، مخالفات كثيرة، نحو تهنئة الكفار بأعيادهم ومشاركتهم فيها، والإهداء إليهم وقبول هداياهم، واتخاذ هذه الأعياد عطلًا رسمية، وكل هذا وغيره كثير مناقض لعقيدة الولاء والبراء، إذ لا دين عند الله سوى الإسلام، فالنصرانية مثلًا باطلها أكثر من حقها بسبب عبث العابثين، والقليل الذي نجا من التحريف نسخ بشرع المبعوث رحمة للعالمين، وأما انسلاخ اليهود عما جاءهم به موسى فلا يحتاج إلى دليل وبرهان، وقد نطق بذلك القرآن.
ومن ذلك تحرج البعض من إطلاق كلمة الكفر على اليهود والنصارى أوشكهم في ذلك، وهذا أيضًا من نواقض الإسلام، فمن شك في كفر اليهود والنصارى مثلًا، أوصحح عقائدهم فقد كفر بما أنزل على محمد، نحو قوله:
"لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة".
"لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم".
"لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين".
وقوله صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده، ما يسمع بي من يهودي ولا نصراني ثم لا يتبعني إلا أكبه الله في النار".
ثامنًا: الحذر أن تجعلوا بينكم وبين شباب الدعوة حاجزًا
من الآثار السيئة والنتائج الخطيرة التي تمخضت من هيمنة الكفار على العالم الإسلامي وغزوه لدياره، وإقامة القواعد العسكرية في دياره بدءًا بحرب الخليج الأولى وانتهاء بالحرب الصليبية التي تشنها أمريكا على الإسلام بغزو دوله، دولة دولة، غزوًا عسكريًا كالذي حدث لأفغانستان والعراق، أوسياسيًا واقتصاديًا كالذي تمارسه أمريكا وحلفاؤها في هذه الأيام، حيث تمهد لهم الأمر ووجدوه أسهل بكثير عما كانوا يظنوه، فقد حققوا كثيرًا من أغراضهم ونالوا جل أطماعهم باستعمال العملاء وبث الخونة والمرتزقة من صنائعهم، ليقوموا بحكم ديار الإسلام نيابة عنهم، خاضعين لتوجيهاتهم، منفذين لسياساتهم.
أخطر تلك الآثار - وكلها خطرة - الجفوة التي حدثت بين بعض شباب الدعوة وبعض المشايخ، وانعدام الثقة وسوء الظن الذي حل محل حسن الظن والثقة المتبادلة.
ليس مهمًا إلقاء اللوم على أحد هذين الجانبين وتحديد من المخطئ، ولكن المطلوب هو إعادة هذه الثقة مرة ثانية، ومد الجسور بين هاتين الطائفتين المكملتين لبعضهما البعض.
ينبغي للعلماء وطلاب العلم أن يقوموا بهذا الدور ويعملوا على رأب الصدع، وجمع الكلمة، وإظهار النوايا الحسنة حتى تعود المياه لمجاريها.
وكما أن العلماء مطالبون بذلك، فمن باب أولى وبالأحرى مطالبة ولاة الأمر من الحكام بذلك، كيف لا يطالبون فقد مدوا الجسور بينهم وبين الكفار والمنافقين، وكان الأولى أن يبدأوا بإخوة العقيدة ورفقهاء الدرب للأخوة الإيمانية؟ وليكن لولاة الأمر من العلماء والحكام المسلمين القدوة الحسنة في هذا في أئمة السلف الصالح أمثال علي، وابن عباس، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، الذين ناظروا الخوارج، وصبروا عليهم، وأحسنوا بهم الظن، وليس هناك من علاقة بين أولئك الخوارج وبين شباب الدعوة اليوم، فالجلوس مع هؤلاء الشباب والصبر على ما يصدر منهم، وتحملهم، ومد جسور التواصل معهم واجب ديني، ومطلب شرعي يحتمه علين ديننا الحنيف، لمصلحة الإسلام، ولمصلحة هؤلاء الشباب، لأن تجاهلهم ومواجهتهم بالعنف مهما صدر منهم لا يأتي بخير.
لم يصب أحد من الحكام ما أصاب أمير المؤمنين عليًا من الخوارج، ومع ذلك كان من أرفق الخلق بهم، ومن أنصف الناس لهم، وأعدلهم فيهم رأيًا، على الرغم من أن مسلكهم وتصرفهم تجاهه كان لئيمًا، ومع أنه كان يملك الدليل القاطع والبرهان الساطع على ضلالهم، ولم يقاتلهم هو في النهروان ولا أحد من ولاة أمر المسلمين من بعده إلا مضطرين، بعد أن ضاقت بهم الحيل، وتقطعت بهم الأسباب.
ومما تجدر الإشارة إليه ويجب التنبيه عليه في هذا الجانب ما يأتي:
1.عدم الأخذ بالظنة.
2.عدم الأخذ بالوشايات والبلاغات الكاذبة.
3.عدم اتخاذ المستشارين الخونة الذين لا يدلون على خير ولا يعينون عليه، بل هدفهم إبعاد الشقة وتأجيج الفتنة بين الحكام وهؤلاء الشباب.
ولله در عمر، على الرغم من حدة فراسته وصدق نبوءته لم يأخذ بالظن عندما هدده المجوسي أبو لؤلؤة، وقد خسر العالم بمقتل عمر خسرانًا مبينًا، ولكنه ربح ربحًا عظيمًا بعدم أخذ عمر بالظن الذي هو أشبه باليقين، فكيف يجوز الأخذ بالظنون الكاذبة، والأوهام الفاسدة، والتقارير المغشوشة، والوشايات المدسوسة؟