احذروا أيها الأحبة أن يكون الكافرون والمنافقون أكثر منكم جلدًا وصبرًا وثباتًا على باطلهم فتكونوا من الصنف الذين شكا منهم عمر إلى ربه:"اللهم أشكو إليك ضعف التقي وجلد المنافق أوالفاجر".
فالمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، كما صح بذلك الخبر.
هذا التفكير من وساوس الشيطان، وخطرات عدو الرحمن، الذي لم يخف عداوته ويحبسها عن أحد من الإنس والجان.
التقية عند أهل السنة تستعمل عند الضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، ورحم الله الشيخ أحمد محمد شاكر حين قال معلقًا على ما قاله أحد الذين كانوا حُبسوا مع أحمد في فتنة خلق القرآن فيما يحكيه عنه ابنه صالح كما ذكر الذهبي في ترجمة أحمد:(يا ابن أخي، رحمة الله على أبي عبد الله، والله ما رأيت أحدًا يشبهه، ولقد جعلت أقول له في وقت ما يوجه إلينا بالطعام: يا أبا عبد الله، أنت صائم، وأنت في موضع تقية؛ فقد عطش فقال لصاحب الشراب: ناولني؛ فناوله قدحًا فيه ماء وثلج، ونظر إليه هُنَيَّة، ثم رده ولم يشرب، فجعلت أعجب من صبره على الجوع والعطش، وهو فيما فيه من الهول.
التقية إنما تجوز للمستضعفين الذين يخشون أن لا يثبتوا على الحق، والذين ليسوا بموضع القدوة للناس، هؤلاء يجوز لهم أن يأخذوا بالرخصة، أما أولو العزم من الأئمة الهداة فإنهم يأخذون بالعزيمة، ويحتملون الأذى ويثبتون، وفي سبيل الله ما يلقون، ولو أنهم أخذوا بالتقية، واستساغوا الرخصة، لضل الناس من ورائهم، يقتدون بهم ولا يعلمون أن هذه تقية.
وقد أتي المسلمون من ضعف علمائهم في مواقف الحق، لا يجاملون الملوك والحكام فقط، بل يجاملون كل من طلبوا منه نفعًا، أوخافوا منه ضرًا، في الحقير والجليل من أمر الدنيا، وكل أمر الدنيا حقير، فكان من ضعف المسلمين بضعف علمائهم ما نرى، ولقد قال رجل من أئمة هذا العصر المهتدين فيما كتب إلى أبي رحمه الله من خطاب سياسي عظيم في جمادى الأولى 1337هـ قال: كأن المسلمين لم يبلغهم من هداية كتابهم فيما يغشاهم من ظلمات الحوادث غير قوله تعالى:"إلا أن تتقوا منهم تقاة"، ثم أصيبوا بجنون التأويل فيما سوى ذلك، ولست أدري وقد فهموا منها ما فهموا كيف يقولون بوجوب الجهاد، وهو إتلاف للنفس والمال؟! وكيف يفهمون تعرضه صلى الله عليه وسلم لصنوف البلاء والإيذاء، ولماذا يؤمنون بكرامة الشهداء والصابرين في البأساء والضراء على الله).
يقابل هذه المواقف الضعيفة والشبه الرخيصة مواقف صلابة وعزة وكرامة كثيرة، ولكن نكتفي بموقف واحد لأحد العلماء مع أئمة الضلال من الرافضة العبيديين، حتى يتضح الفرق بين المنهجين، منهج السلف الراسخ، ومنهج بعض الخلف المتحلل، وبضدها تتميز الأشياء.
قال الحافظ الذهبي في ترجمة أبي بكر النابلسي: (قال أبو ذر الحافظ: سجنه بنو عبيد، وصلبوه على السنة، سمعت الدارقطني يذكره ويبكي، ويقول: كان يقول وهو يسلخ:"كان ذلك في الكتاب مسطورًا"، قال أبو الفرج بن الجوزي: أقام جوهر القائد لأبي تميم صاحب مصر أبا بكر النابلسي، وكان ينزل الأكواخ، فقال له: بلغنا أنك قلت: إذا كان مع الرجل عشرة أسهم، وجب أن يرمي في الروم سهمًا، وفينا تسعة؛ قال: ما قلت هذا، بل قلت: إذا كان معه عشرة أسهم، وجب أن يرميكم بتسعة، وأن يرمي العاشر فيكم أيضًا، فإنكم غيرتم الملة، وقتلتم الصالحين، وادعيتم نور الألوهية؛ فشهره ثم ضربه، ثم أمر يهوديًا فسلخه، وقال ابن الأكفاني: سلخ وحشي تبنًا، وصلب؛ وقيل: سلخ من مفرق رأسه حتى بلغ الوجه، فكان يذكر الله، ويصبر حتى بلغ الصدر، فرحمه السلاخ، فوكزه بالسكين موضع قلبه، فقضى عليه، وقيل: لما سلخ كان يسمع من جسده قراءة القرآن) .
سابعًا: الحذر من كلمة الحق التي يراد بها باطل
مما ينبغي لطلاب العلم والعلماء أن يحذروه ولا يتعاطوه أبدًا بعض كلمات الحق التي يستدل بها في غير موضعها، أوالتي يراد بها باطلًا، نحو رفعهم بعض الآيات والأحاديث في وجوه المعترضين عليهم، كقوله:
• ..."لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم والله يحب المقسطين".
"وإن جنحوا للسلم فاجنح لها".
ونحو استدلالهم بما جرى في صلح الحديبية وهو حق، وإنزاله على اتفاقيات الاستسلام التي فرضها اليهود والأمريكان على بعض الحكام، جهلًا أوتدليسًا وتلبيسًا على العوام، وتبريرًا لممارستهم لتلك الخيانات العظام، متوهمين أن ذلك يطيل من بقائهم كحكام، ونسوا أوتناسوا أن الحكم بيد الله يهبه لمن يشاء ويصرفه عمن يشاء.
ونحو زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم لجاره اليهودي، ولتعامله التجاري مع بعضهم.
ونحو الاتكاء على"صحيفة المدينة"، مع تشكيك بعض المحققين في صحتها، ولو فرضنا جدلًا صحتها، فقد نسخت بآيات القتال وبالمفاصلة بين الرسول واليهود، حيث أمر بالتقرب إلى الله بمخالفتهم، ونهي وحذر من التشبه بهم في أي شأن من الشؤون صغيرة كانت أم كبيرة.