فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 1363

خرج ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوعَك، فوضعت يدي عليه، فوجدت حره بين يدي فوق اللحاف، فقلت: يا رسول الله، ما أشدها عليك؟ قال:"إنا كذلك يُضعَّف لنا البلاء ويضعف لنا الأجر"، قلت: يا رسول الله، أي الناس أشد بلاء؟ قال:"الأنبياء"، قلت: ثم من؟ قال:"الصالحون، أن كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يجوبها، وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء".

أما أتباع الأنبياء الماضين واللاحقين فيمثل ذلك:

• ما أصاب سحرة فرعون لما آمنوا بموسى وهارون عليهما السلام، حيث قتلوا وصلبوا، وقالوا مخاطبين الطاغية:"فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا".

ما أصاب أصحاب الأخدود.

وصح في البخاري عن خبَّاب بن الأرت رضي الله عنه قال:"شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الارض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد لحمه من عظمه، فما يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون".

رمي عائشة بالبهتان العظيم والإفك المبين.

قتل عمر، وعثمان، وعلي، والحسين رضي الله عنهم.

قتل وتعذيب السابقين الأولين من المهاجرين.

مما يدل على أن الفتن منها خاص وعام، وصغير وكبير، ما خرجه البخاري في صحيحه بسنده إلى شقيق قال: سمعت حذيفة يقول:"بينا نحن جلوس عند عمر، إذ قال: أيكم يحفظ قول النبي صلى الله عليه وسلم في الفتنة؟ قال حذيفة رضي الله عنه: فتنة الرجل في أهله, وماله, وولده, وجاره, يكفرها الصلاة, والصدقة, والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر؛ قال: ليس عن هذا أسألك، ولكن التي تموج كموج البحر؛ فقال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا مغلقًا؛ قال عمر: أيكسر الباب أم يفتح؟ قال: لا، بل يكسر؛ قال عمر: إذًا لا يغلق أبدًا؛ قلتك أجل".

قلت لحذيفة: أكان عمر يعلم الباب؟ قال:"نعم، كما يعلم أن دون غدٍ ليلة، وذلك أني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط"، فهبنا أن نسأله من الباب؟ فأمرنا مسروقًا فسأله، فقال: من الباب؟ قال:"عمر".

تذكر أخي أن ادعاء خوف الفتنة والحذر منها قد يوقع فيما هو أشد، كما قال الله على لسان المنافق الجد بن قيس:"لا تفتني"، معقبًا:"ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين".

سادسًا: الحذر والخوف على الإسلام وأهله!!

يبرر البعض لبعض مواقفه وتنازلاته ومداراته أن الغرض منها والهدف من ورائها المحافظة على الإسلام وأهله، وحماية لشباب الدعوة حتى لا يُقضى عليهم، وهذا الوهم قد يصدر من بعض الصادقين، كما صدر من بعض الصحابة عندما عزم أبو بكر رضي الله عنه على حرب المرتدين، وإمضاء إمرة أسامة بن زيد للجيش، ولكن مقابلة هذا الوهم بصدق عزيمة أبي بكر وتصميمه سرعان ما ردهم إلى رشدهم، وأقنعهم وشرح صدورهم لِمَا شرح له صدر أبي بكر رضي الله عنه.

وقد يصدر من غيرهم، والله يعلم المصلح من المفسد، الذين يعنينا أمرهم هم المصلحون الصادقون، فنقول لهم كما قال مالك رحمه الله:"لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها"، ونذكرهم بعد بقول عبد المطلب وهو مشرك الذي خاطب به أبرهة عندما جاء لهدم الكعبة، فسأله أن يطلق له إبله التي احتجزها، أما عن البيت فقال:"إن للبيت ربًا يحميه".

ومن العجيب الغريب أن يفطن عبد المطلب لذلك وهو مشرك، وتغيب هذه الحقيقة عن أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، بله عن بعض حملة العلم منهم، فالإسلام محفوظ بحفظ الله له، وبوعد الله الذي لا يخلف الميعاد.

لا أبلغ في الرد على هذه الشبهة والوهم إلا صنيع السابقين الأولين من مهاجرة الحبشة وغيرهم من قبل، وفي المواقف الفاصلة التي وقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمواجهات الصريحة من المستضعفين التي كان لها الفضل بعد الله عز وجل في التمكين لهذا الدين.

لا ينبغي لمتوهم أن يتوهم أنه أكثر رحمة وحرصًا على هذا الدين وأتباعه من رب الخلق، ورسول رب العالمين، والصحابة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

لقد أمر الله رسوله أن يصدع بالحق، فقال:"فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين".

ولله در أبي ذر عندما صرخ بكلمة التوحيد وهو غريب وحيد وسط أئمة الكفر والضلال وكرر ذلك.

إذا سلك البعض مبدأ التنازل الذي نهايته الانسلاخ عن دين الله عز وجل كما قرر ذلك الرب سبحانه وتعالى:"ولن ترضىعنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، فعلى أي شيء يحافظون؟! على غثاء السيل الذين لا يأبه بهم ربهم سبحانه وتعالى بعد أن فقدوا أضعف الإيمان وصاروا أضل من الأنعام؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت