سأل رجل الإمام الشافعي رحمه الله فقال: يا أبا عبد الله، أيما أفضل للرجل، أن يُمكَّن أويبتلى؟ فقال: لا يمكَّن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة.
وهذا أصل عظيم، فينبغي للعاقل أن يعرفه، وهذا يحصل لكل أحد كما قال ابن القيم، مع تفاوت في الدرجات.
هذه هي سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلًا، فبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين، والصبر هو الابتلاء.
والابتلاء ليس بالضرورة دائمًا أن يكون بالضراء، فقد يبتلى المؤمن ويختبر بالسراء.
قال تعالى:"ألم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين".
وقال:"أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب".
وقال:"وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون".
وصح عنه صلى الله عليه وسلم أن سعدًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاءً؟ قال:"الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة زيد عليه، وإن كان في دينه رقة خفف عنه، ولا يزال البلاء بالعبد حتى يمشي على الأرض ماله خطيئة".
وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"ما أغبط أحدًا لم يصبه في هذا الأمر أذى".
وقال مالك لما ضرب:"لا خير فيمن لا يؤذى في هذا الأمر".
لهذا لا تكاد تجد ترجمة أحد من علماء السلف تخلو من نبذة عن محنته والفتنة التي أصابته، بدءًا بالرسول الكريم، ومرورًا بالصحابة، وانتهاءً بالسلف والخلف من أتباع الرسل وورثة الأنبياء.
معظم الفتن وأخطر المحن التي حلت بعلماء وفقهاء أهل السنة كانت صادرة من أهل الأهواء من معتزلة ورافضة، نحو فتنة خلق القرآن التي تولى كبرها أئمة الاعتزال، وفتنة التمكين للتتار من دخول بغداد بتدبير الخبيثين ابن العلقمي والوزير الطوسي الرافِضِيَّيْن، التي راح ضحيتها الجلة من العلماء، والفقهاء، والقراء، والعباد.
وفتنة أبي طاهر القرمطي في 317هـ، في يوم التروية.
وفتنة العبيديين المارقين في شمال إفريقيا.
والفتنة التي حلت بشيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه نتيجة الحسد، والتقليد، والتعصب المقيت.
هذه مجرد أمثلة للفتن العظام والكوارث الطوام التي حلت بأهل الإسلام، ولا تزال الفتن تترى، ويتولى كبرها المبتدعة والمنافقون، تنفيذًا لمخططات أعداء الملة والدين.
قوله تعالى:"أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين"، قضى بالفتنة على كل إنسان، مسلمًا كان أم كافرًا، عالمًا كان أم جاهلًا، حاكمًا كان أم محكومًا، والفتن منها ما هو خاص وعام، ومنها ما هو صغير وكبير.
ورد في سبب نزول هذه الآية عن ابن عباس وغيره - وإن كانت العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:(يريد بالناس قومًا من المؤمنين، كانوا بمكة، وكان الكفار من قريش يؤذونهم ويعذبونهم على الإسلام، كسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، وعمار بن ياسر، وياسر أبوه، وسمية أمه، وعدة من بني مخزوم وغيرهم، فكانت صدورهم تضيق لذلك، وربما استنكر أن يمكن الله الكفار من المؤمنين، قال مجاهد: نزلت هذه الآية مسلية ومعلمة أن هذه هي سيرة الله في عباده، اختبارًا للمؤمنين وفتنة، قال ابن عطية: هذه الآية، وإن كانت نزلت بهذا السبب، أوما في معناه من الأقوال، فهي باقية في أمة محمد صلى الله عليه وسلم موجود حكمها بقية الدهر، وذلك أن الفتنة من الله تعالى باقية في ثغور المسلمين بالأسر ونكاية العدو وغير ذلك، وإذا اعتبر أيضًا كل موضع ففيه ذلك بالأمراض وأنواع المحن، ولكن التي تشبه نازلة المسلمين مع قريش هي ما ذكرناه من أمر العدو في كل ثغر.
قلت: ما أحسن ما قاله، ولقد صدق فيما قال رضي الله عنه).
إذا لم يسلم من الابتلاء الأنبياء وأتباعهم الماضين - لرفع درجاتهم ولإعلاء شأنهم، فهل يسلم من ذلك اتباعهم اللاحقين:
فإبراهيم عليه السلام ألقي في النار.
وزكريا ويحيى عليهما السلام قتلا.
ويوسف استرق واستعبد وألقي في السجن.
ويونس التقمه الحوت.
محاولة قتل عيسى عليه السلام.
اتهام مريم عليها السلام بالفاحشة.
ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم سمي وأوذي وحاولوا قتله، وكان يقاسي من المرض والفقر والجوع ما الله به عليم.