وتاسعها: أنه شبهه بالكلب الذي هو أخس الحيوانات همة، وأسقطها نفسًا، وأبخلها، وأشدها كَلَبًا، ولهذا سمي كلبًا.
عاشرها: أنه شبه لهثه على الدنيا وعدم صبره عنها، وجزعه لفقدها، وحرصه على تحصيلها بلهث الكلب في حالتي تركه والحمل عليه بالطرد، وهكذا هذا إن ترك فهو لهثان على الدنيا، وإن وعظ وزجر فهو كذلك، فاللهث لا يفارقه في كل حال كلهث الكلب.
قال ابن قتيبة: كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أوعطش، إلا الكلب، فإنه يلهث في حال الكلال وحال الراحة، وحال الري وحال العطش، فضربه الله مثلًا لهذا الكافر فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال، كالكلب إن طردته لهث، وإن تركته على حاله لهث، وهذا التمثيل لم يقع بكل كلب، وإنما وقع بالكلب اللاهث، وذلك أخس ما يكون وأشنعه).
السبب الذي من أجله سلب هذا الشقي هذه النعم العظيمة والآيات الكريمة هو إيثاره للفانية على الباقية، وحبه للدنيا ولذاتها، وتفضيله إياها على الآخرة.
قال مالك بن دينار عن بلعام هذا: كان من علماء بني إسرائيل، وكان مجاب الدعوة، يقدمونه في الشدائد، بعثه نبي الله موسى عليه السلام إلى ملك مدين يدعوه إلى الله، فأقطعه وأعطاه فتبع دينه وترك دين موسى عليه السلام).
فحب الدنيا والركون إليها رأس كل خطيئة، وسبب كل فتنة، ولهذا ركلها الأنبياء، والمرسلون، والصحابة، والتابعون، والسلف الصالحون، لعلمهم أن ما عند الله خير وأبقى، (وأنها دار نفاد، لا محل إخلاد، ومركب عبور لا منزل حبور، ومَشْرع انفصام لا موطن دوام، وما مثلها إلا كما قال ربنا:"إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلًا أونهارًا فجعلناها حصيدًا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون") .
فاجتهد أخي الحبيب أن تكون من علماء الآخرة العقلاء، واحذر سفاهة السفهاء وخفة عقول أهل الدنيا البلهاء، ولقد أحسن من قال وصدق وأجاد:
إن لله عبادًا فطنًا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنًا
جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنًا
أسباب الفساد لا تخرج من أمرين هما:
1.حب الشهوات.
2.أوتزيين الشبهات.
وهما جماع أمراض القلوب المعنوية.
فحب الزعامة والرياسة والتصدر والقيادة لا يقل خطرًا من حب الشهوات، فكل ذلك من نزعات الشيطان.
فبعض الناس ليس له كبير غرض في شهوات البطن والفرج، ولكن هدفه الأول أن يكون القائد الأوحد والموجه الفرد.
ومنهم من جمع بين السوأتين، وحاز الرذيلتين، فأحتوشته الشبهات، وملكته الشهوات، فيوجه نعم الله العظام وآلائه الكرام التي أنعم الله بها عليه، واختبره وامتحنه بها، من النعم الحسية كالمال، والوظيفة، والمنزلة، والنعم الوهبية، كزلاقة اللسان، وتوقد الذهن، وملكة الحفظ والفهم، لتحقيق مآربه الخاصة، وحاجاته الآنية الفانية، ولهذا تجده:
ضعيف الشخصية.
باهت الهوية.
يدعو الناس إلى الإسلام بأقواله ويصدهم عنه بسلوكه وأفعاله.
يلبس لكل زمان لبوسه.
مرضه ليس له دواء، وفتنته ليس منها شفاء.
يتقلب تقلب المرجل، ويروغ روغان الثعلب.
ينافق السلطان ويخدع ويلبس على الدهماء والعوام.
يتلاعب بالألفاظ ويتفنن في سرد الشبه، وتعداد الرخص والزلات والهفوات.
ما أكثر"بلاعيم"آخر الزمان المفتونين.
روى الحافظ أبو يعلى عن جندب البجلي: أن حذيفة بن اليمان حدثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رؤيت بهجته عليه، وكان ردْء الإسلام اعتره إلى ما شاء الله، انسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك؛ قال: قلت: يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك، المرميّ أم الرامي؟ قال: بل الرامي".
خامسًا: الخوف والحذر من الابتلاء
يحذر بعض أهل العلم ويخاف من الابتلاء، ويظن أن هذا الحذر والحيطة تحولان بينه وبين الابتلاء والاختبار، ومعلوم أن الحذر لا يغني من القدر، وقد يؤتى الحذر من مأمنه.
لقد أرشدنا رسولنا لسؤال العافية وحذر من تمني لقاء العدو، فقال:"سلوا الله العافية، ولا تتمنوا لقاء العدو، فإذا لقيتموه فاثبتوا".
اعلم أخي الكريم أن البلاء موكل بالمنطق، فقد روي عن خالد بن الوليد رضي الله عنه أنه قال وهو زاحف على قتال مسيلمة الكذاب: فما بنو حنيفة؟ وعندما التقى المسلمون بهم هزموا مرتين، بسبب فرار الأعراب، فغير خالد خطته العسكرية، فجعل الأعراب في المقدمة، والمهاجرين والأنصار في المؤخرة لعلمه أنهم لا يفرون من الزحف، فكتب لهم النصر؛ فقال: لقد خضت عشرين زحفًا، فلم أر مثل بني حنيفة؛ أوكما قال.
مع تمنيهم وسعيهم التمكين في الأرض، والتمكين مربوط بالابتلاء.