بجانب عامل آخر وهو الخوف من ردود الأفعال، وما علموا أن هذا الصنيع يولد من ردود الأفعال ما الله به عليم، وأن البدعة لا يرد عليها ببدعة، ولله در سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز وأنزله فسيح جناته، عندما حدثت فتنة ادعاء عبد الله القحطاني المهدية في الحرم المكي عام 1400هـ، ووجد المغرضون ضالتهم، ونشروا سمومهم، وباعوا آخرتهم بدنيا غيرهم، حين أنكروا خروج مهدي بالكلية، حيث لم يفرقوا بين منتظر الرافضة المزعوم ومهدي أهل السنة الذي هو عبارة عن خليفة راشد يكون في آخر الزمان قبيل نزول عيسى عليه السلام، ويؤيده الله بالمؤيدات العظام، وبدأوا يشككون في الأحاديث الصحيحة والحسنة التي وصلت حد التواتر المعنوي، ما كان من شيخنا عبد العزيز رحمه الله إلا أن بين في شجاعة العالم الرباني والحبر المتفاني: أن هذا ليس هو المهدي الذي بشر به الحبيب المصطفى، وأن الأحاديث التي وردت في خروج مهدي أهل السنة في آخر الزمان منها الصحيح، ومنها الحسن، ومنها المنجبر بغيره؛ ولم يلتفت إلى ردود الأفعال، بل بيَّن الحق وفصل بين القضيتين: أن هذا ليس هو المهدي الذي بشرت به الأحاديث، وأن خروج مهدي أهل السنة في آخر الزمان من جملة عقيدة أهل السنة والجماعة، أهل الحل والعقد، نقاوة أتباع الرسل الكرام.
رابعًا: الحذر من مسلك علماء السوء بلعوم بن باعوراء وأمثاله
العلماء صنفان لا ثالث لهما، علماء الآخرة وعلماء السوء، فمن لم يكن من علماء الآخرة فهو من علماء السوء المفتونين بالدنيا وزخارفها، الغافلين عن الآخرة ونعيمها.
يمثل علماء السوء أصدق تمثيل كثير من أحبار اليهود، ولهذا قال ربنا محذرًا من مسلكهم ومخوفًا من طريقتهم:"يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله".
وقد صاغ هذا المعنى شعرًا العالم المجاهد عبد الله بن المبارك رحمه الله قائلًا:
رأيتُ الذنوب تميت القلوبَ ويورث الذلَّ إدمانُها
وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوبِ وخيرٌ لنفسك عصيانُها
وهل أفسد الدينَ إلا الملوكَ وأحبارُ سوء ورهبانُها
ففساد الدين بفساد هذه الطوائف الثلاثة: حكام ظلمة، وعلماء سوء فجرة، وعباد مبتدعة جهلة، وصلاح الدين والدنيا بصلاحهم.
ولهذا قال الإمام سفيان بن عيينة رحمه الله: من فسد من علمائنا فيه شبه باليهود، ومن ضل من عبادنا فيه شبه بالنصارى.
من أعظم المصائب وأكبر الخسائر الحور بعد الكور، والضلال بعد الهدى، وأفدح من هذا جميعًا الضلال على علم ومعرفة، كضلال إبليس من شياطين الجن، وضلال بلعوم بن باعوراء من شياطين الإنس، ومن لف لفهما وسلك سبيلهما.
لقد ضرب الله مثلًا للضلال بعد الهدى، وعلى علم تنفر منه النفوس الأبية، وتستقذره الطباع السوية، حيث قال عن هذا الشقي التعيس، سواء كانت هذه الآيات نزلت في"بلعوم بن باعوراء"، أو"أمية بن أبي الصلت"، أو"صيفي بن الراهب"، أوغيرهم، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب:
"واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أوتتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون. ساء مثلًا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون".
قال العلامة ابن القيم رحمه الله معلقًا على هذه الآيات في كتابه"الفوائد": (فهذا مثل عالم السوء الذي يعمل بخلاف علمه.
وتأمل ما تضمنته الآية من ذمه، وذلك من وجوه:
أحدها: أنه ضل بعد علم، واختار الكفر على الإيمان عمدًا لا جهلًا.
وثانيها: أنه فارق الإيمان مفارقة من لا يعود إليه أبدًا، فإنه انسلخ من الآيات بالجملة، كما تنسلخ الحية من قشرها، ولو بقي معه منها شيء لم ينسلخ منها.
وثالثها: أن الشيطان أدركه ولحقه بحيث ظفر به وافترسه، ولهذا قال:"فأتبعه الشيطان"، ولم يقل"اتبعه"، فإن معنى"أتبعه"أدركه ولحقه، وهو أبلغ من تبعه لفظًا ومعنى.
ورابعها: أنه غوى بعد الرشد، وألغى الضلال في العلم والقصد، وهو أخص بفساد القصد والعمل، كما أن الضلال أخص بفساد العلم والاعتقاد، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، وإن اقترنا فالفرق ما ذكر.
وخامسها: أنه سبحانه لم يشأ أن يرفعه بالعلم فكان سبب هلاكه، لأنه لم يرفع به فصار وبالًا عليه، فلو لم يكن عالمًا كان خيرًا له، وأخف لعذابه.
وسادسها: أنه سبحانه أخبر عن خسة همته، وأنه اختار الأسفل الأدنى على الأشرف الأعلى.
وسابعها: أن اختياره للأدنى لم يكن عن خاطر وحديث نفس، ولكنه كان عن إخلاد إلى الأرض، وميل بكليته إلى ما هناك، وأصل الإخلاد اللزوم على الدوام، كأنه قبل لزم الميل إلى الأرض، ومن هذا يقال: أخلد فلان بالمكان إذا لزم الإقامة به.
وثامنها: أنه رغب عن هداه، واتبع هواه، فجعل هواه إمامًا له يقتدي به ويتبعه.