فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 1363

وقال العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين، تحت فصل تورع السلف عن الفتيا:(وكان السلف من الصحابة والتابعين يكرهون التسرع في الفتوى، ويود كل واحد منهم أن يكفيه إياها غيره، فإذا رأى أنها قد تعينت عليه بذل اجتهاده في معرفة حكمها من الكتاب والسنة، أوقول الخلفاء الراشدين، ثم أفتى.

إلى أن قال:

الجرأة على الفتيا تكون من قلة العلم، ومن غزارته وسعته، فإذا قل علمه أفتى عن كل ما يسأل عنه بغير علم، وإذا اتسع علمه اتسعت فتياه، ولهذا كان ابن عباس من أوسع الصحابة فتيا، وقد تقدم أن فتاواه جمعت في عشرين سفرًا، وكان سعيد بن المسيب أيضًا واسع الفتيا، وكانوا يدعونه سعيد بن المسيب الجريء).

قلت: حق لابن عباس رضي الله عنهما ولسعيد بن المسيب ولأمثالهما من أهل العلم الموسوعيين وأهل التقوى والورع المعروفين أن يكونوا أوسع فتيا.

ولله در الفقيه المالكي سحنون حين قال مببررًا تأنيه في الفتيا وتثبته فيها وعدم تعجله في ذلك: إني لأحفظ مسائل منها ما فيه ثمانية أقوال من ثمانية أئمة من العلماء، فكيف ينبغي أن أعجل بالجواب قبل الخبر؟ فلِمَ ألام على حبس الجواب؟!

مما يدل على أن هناك أمورًا أمر الفتيا فيها أشد من غيرها ما صح من مراسيل سعيد بن المسيب رحمه الله:"أجرؤ على قسْم الجد أجرؤكم على النار"، وذلك لاختلاف الصحابة في ميراث الجد وفرضه اختلافًا واسعًا.

قال المناوي: ("على قسْم الجد"أي على الإفتاء، أوالحكم بتعيين ما يستحقه من الإرث،"أجرؤكم على النار"أي أقدمكم على الوقوع فيها يوم القيامة، تسوقه الزبانية إليها، لأن الجد يختلف ما يأخذه من فرض، وتعصيب، وثلث، وسدس، وتتفاوت مراتبه بحسب القرب والبعد، وفي شأنه من الاضطراب ما يحير الألباب، فمن تساهل وأقدم على القضاء أوالإفتاء بقدر ما يستحقه بغير تثبت وتحقق فقد عرض نفسه إلى النار، ومن ثم نقل عن عمر رضي الله عنه أنه لما احتضر قال: احفظوا عني، لا أقول في الكلالة ولا في الجد شيئًا، ولا أستخلف؛ وأخرج يزيد بن هارون عن ابن سيرين عن عبيدة قال: إني لأحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلها ينقض بعضها بعضًا؛ قال ابن الأثير: وفي حديث علي: من سره أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض في الجد؛ أي يرمي بنفسه في معاظم عذابها) .

إذا كان هذا الوعيد وهذا الحذر والتثبت في الفتيا في ميراث الجد، فكيف بمن يتجرأ ويفتي في تضلل وتكفير وتبديع وقتل أحد من أهل الإسلام، مهما كان الدافع لذلك؟!

ما أعمق فقه الصحابة وما أزكى نفوسهم وأطهر قلوبهم! لقد ضرب علي بن أبي طالب في هذا الجانب المثل الأعلى والقدوة التي ينبغي أن تحتذى، وذلك في حكمه على الخوارج الذين شقوا عصا الطاعة عليه، وأضعفوا عسكره، وقتلوا أتباعه، وكفروه، وضللوه، وختموا كل هذه السوءات بقتله وهو خارج إلى صلاة الصبح، على الرغم من أنه يملك الدليل الأقوى ممن لا ينطق عن الهوى، حيث حكم فيهم بأنهم"يخرجون من الدين ثم لا يعودون"، وفي رواية:"كما يخرج السهم من الرمية"على ضلالهم، لكن عندما سئل عنهم لم يزد على أن قال:"إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم"، ونفى أن يكونوا كفارًا، بل قال:"من الكفر فروا"، وأبى أن يصفهم بالنفاق لأنهم يذكرون الله كثيرًا، ولم يبادرهم بالقتال حتى بادروه.

لماذا لم يسع الخلف ما وسع السلف؟

من أخطر الأمور التي توقع بعض أهل العلم في المحذور قياسهم ما يجري الآن في الساحة على ما جرى وحدث في عصور الإسلام السالفة، على الرغم من أن هناك فوارق جوهرية تجعل من العسير سلامة هذا القياس.

فنحن في هذا العصر نعيش أوضاعًا مختلفة اختلافًا كاملًا عن الماضي، إذ كان الإسلام هو الحاكم، وشريعته هي الشريعة الظاهرة المهيمنة على كل شيء، وكانت الغلبة للمسلمين، والذل والصغار حليف الكافرين والمنافقين.

يمثل هذا القياس الفاسد أصدق تمثيل إنزال قول ابن عباس رضي الله عنهما:"ليس بالكفر الذي إليه تذهبون"، يعني ما يصدر من بعض حكام ذلك الوقت من باب الخطأ، وقد أطلق عليه لفظ الكفر من باب الزجر والتعنيف، وإلا ليس بكفر مخرج عن الملة، على بعض من يسنون دساتير وقوانين على غرار دساتير وقوانين الكفار، وينبذون الإسلام وشرعه وراءهم ظهريًا، بأن صنيعهم هذا ليس من نواقض الإسلام في شيء، وإنما هو من باب الكفر الأصغر، وهذا قياس مع الفارق والفارق الكبير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت