9.كذلك مما يدل على أن نصر هذا الدين وعزته لا تتأتى بالتنازلات والأخذ بالرخص والزلات، وإنما ينصر بالثبات على المواقف، وبالتضحية وبذل المهج رخيصات، موقف أئمة أهل السنة والجماعة في فتنة خلق القرآن التي ابتدعها طائفة من علماء السوء وأغروا بها بعض خلفاء بني العباس حينًا من الدهر، لكن ثبات هؤلاء الجلة من العلماء، وصبرهم، وتضحياتهم، هو الذي رد الأمة بعد الله عز وجل إلى صوابها، وإلى منهج رسولها صلى الله عليه وسلم.
فمنهم من قتل ظلمًا وعدوانًا، ومنهم من ضرب وسجن وحبس، ومنهم من ضيق عليه، فلم يزدهم ذلك إلا ثباتًا على ثباتهم، وسرعان ما انكشفت تلك الغمة، وزالت تلك البدعة الخبيثة، وجاء الله بخليفة هو المتوكل نَكَّل بأئمة البدع وانتقم لأئمة الحق والسنة.
لولا ثبات هؤلاء الرجال وصبرهم وعزمهم فقد المسلمون قسمًا عزيزًا من أقسام عقيدتهم، وهو الإيمان بأسماء الله وصفاته من غير تأويل ولا تحريف، ولساد علم الكلام وعاش الناس في الظلام.
لقد نصر الله السنة على البدعة، والحق على الباطل، وعلماء الآخرة على علماء السوء والدنيا بمواقف رجال قلائل، صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فما بدلوا، وما خافوا، وما جبنوا، ولم يرضوا إلا بالتصريح بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأبت نفوسهم الأبية التلميح والتعريض، بل هجروا وبدعوا من ترخص في ذلك، وأبوا أن يكلموهم حتى فارقوا الدنيا.
فلولا ثبات أحمد بن حنبل، وأحمد بن نصر الخزاعي، والبويطي، وإخوانهم ممن ثبتوا معهم لاستأسد البغاث، ولكان حال المسلمين شر حال.
فالدين عزيز وسلعته غالية، ولهذا لا يمكن أن ينصر بالترخص والتنازلات، والبحث والتفتيش عن الزلات والهفوات.
ثالثًا: الحذر والحيطة عند إصدار الفتاوى، خاصة عند حلول الفتن
التثبت في الفتوى والتحوط فيها مطلوب في كل وقت وحين، مهما كان الأمر صغيرًا أم كبيرًا، ولهذا كان مالك رحمه الله دائمًا يقول إذا سئل عن شيء: اللهم سلمنا وسلم منا؛ وسئل مرة عن مسألة فقال: لا أدري؛ فقال له السائل: إنها مسألة خفيفة سهلة، وإنما أردتُ أن أعلم بها الأمير؛ وكان السائل ذا قدر، فغضب وقال: مسألة خفيفة سهلة! ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله تعالى:"إنا سنلقي عليك قولًا ثقيلًا".
يزداد أمر الفتوى تعقيدًا وعسرًا عند حلول الفتن، وتداخل الأمور وتشعبها، ولا أظن أن زمانًا من الأزمنة السابقة صعبت فيه الفتوى وعسرت مثل زماننا هذا الذي أحاطت فيه الفتن بالمسلمين إحاطة السوار بالمعصم، وتغيرت فيه المفاهيم، واختلفت فيه الموازين.
أخطر الفتاوى تلك المتعلقة بالدماء والفروج، والتبديع والتضليل والتكفير:"فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أويصيبهم عذاب أليم".
بل كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يخافون الفتوى فيما هو دون ذلك بكثير، كما كتب الصديق الحميم، والأخ الوفي الكريم، سلمان بن الإسلام، لأخيه في الله أبي الدرداء ناصحًا له، ومذكرًا إياه، ومحذرًا له من الغفلة في الفتوى.
خرج مالك في موطئه:"عن يحيى بن سعيد أن أبا الدرداء كتب إلى سلمان: هُلمَّ إلى الأرض المقدسة؛ فكتب إليه: إن الأرض لا تقدس أحدًا، وإنما يقدس المرء عمله، وقد بلغني أنك جُعِلتَ طبيبًا، فإن كنتَ تبري فنعما لك، وإن كنت متطببًا فاحذر أن تقتل إنسانًا فتدخل النار؛ فكان أبوالدرداء إذا قضى بين اثنين - في أي أمر - ثم أدبرا عنه، نظر إليهما، وقال: متطبب والله، ارجعا، أعيدا عليَّ قصتكما".
لا يدري والله الإنسان أيعجب من صدق مناصحة سلمان وصراحته وخوفه على أخيه أبي الدرداء من النار، أم من تجرد أبي الدرداء وسرعة استجابته لهذه الوصية الغالية؟!
ما أكثر المتطببين في هذا العصر في الطب والفتوى، وخطورة المتطفل في الفتوى أشد من خطورة المتطفل في الطب والعلاج، ولهذا سوى بينهما الشارع الحكيم في الإثم والدية على جنايتهما.
الجرأة على الفتيا والتسرع فيها من غير علم من المصائب ومن الطوام الجسام، ولهذا جاء في حديث:"أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار".
قال المناوي معلقًا على هذا الحديث:("أجرؤكم على النار"أقدمكم على دخولها، لأن المفتي مبين عن الله حكمه، إذا أفتى على جهل، أوبغير ما علمه، أوتهاون في تحريره أواستنباطه، فقد تسبب في إدخال نفسه النار لجرأته على المجازفة في أحكام الجبار:"آلله أذن لكم أم على الله تفترون"، قال الزمخشري: كفى بهذه الآية زاجرة زجرًا بليغًا عن التجوز فيما يسأل من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيها، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أوغير جائز إلا بعد إتقان وإيقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت، وإلا فهو مفترٍ على الله تعالى.
وقال ابن المنكدر: المفتي يدخل بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يفعل، فعليه التوقف والتحرز لعظم الخطر).