قالت: فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلدهم وقومهم.
قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لاها الله، إذا لا أسلمهم إليهما، ولا يُكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواء، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله واجتمعوا، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم كائنًا في ذلك ما هو كائن.
وفي رواية للحاكم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن عمرو بن العاص وصاحبه قالا للنجاشي: إنهم - يعني المسلمين - لا يسجدون لك؛ قال: فلما انتهينا إليه زَرَرَنا من عنده: اسجدوا للملك؛ فقال جعفر: لا نسجد إلا لله؛ فقال النجاشي: وما ذاك؟ قال: إن الله بعث فينا رسوله وهو الرسول الذي بشر به عيسى، برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد اللهَ ولا نشرك به شيئًا.
قالت أم سلمة: فلما جاءوا وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا صحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟
قالت: فكان الذي كلمه جعفر، فقال له: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئًا، وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام، وعدد عليه أمور الإسلام، فصدقنا، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرَّم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وافتتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
فقال النجاشي: هل معك مما جاء عن الله من شيء؟ فقال جعفر: نعم؛ فقال له النجاشي: فاقرأه عليَّ؛ فقرأ عليه صدرًا من سورة كهيعص - مريم، فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والله والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكما ولا يُكادون.
قالت: فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدًا عنهم بما أستأصل به خضراءهم.
قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل فإن لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالفونا؛ قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى عبد.
قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه.
قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط، فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله ما قال الله تعالى وما جاءنا به نبينًا كائنًا في ذلك ما هو كائن.
قالت: فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، يقول: هو عبد الله، ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
قالت: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودًا، ثم قال: والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود.
قالت: فتناخرت بطارقته حين قال ما قال، فقال: وإن تناخرتم والله، اذهبوا، فأنتم شيوم، والشيوم الآمنون، من سبكم غرم، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرًا من ذهب، وأني آذيت رجلًا منكم.
ثم قال: ردوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لي بها، فوالله ما أخذ الله مني رشوة حين رد عليَّ ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه.
قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار، مع خير جار).