فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 1363

لقد ناظر ابن الزبير الخوارج وصبر على جفائهم وغلظتهم وقولهم السوء في عثمان، وذلك عندما ولي على الحجاز وجاءت طائفة منهم فسألوه عن عثمان رضي الله عنه، فقال رادًا على قائلهم افتراءه عليه بعد حمد الله والثناء عليه: (أما بعد، فقد فهمتُ الذي ذكرتم، وذكرتَ به النبي صلى الله عليه وسلم فهو كما قلت، وفوق ما وصفته، وفهمتُ ما ذكرتَ به أبا بكر وعمر، وقد وفقتَ وأصبتَ، وقد فهمتُ الذي ذكرتَ به عثمان بن عفان رحمة الله عليه، وإني لا أعلم مكان أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفان وأمره مني، كنتُ معه حيث نقم القوم عليه واستعتبوه، فلم يدع شيئًا استعتبه القوم فيه إلا أعتبهم منه، ثم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنه كتبه فيهم، يأمر فيه بقتلهم، فقال لهم: ما كتبته، فإن شئتم فهاتوا بينتكم، فإن لم تكن حلفت لكم؛ فوالله ما جاءوه ببينة، ولا استحلفوه، ووثبوا عليه فقتلوه، وقد سمعت ما عبته به، فليس كذلك، بل هو لكل خير أهل، وأنا أشهدكم ومن حضر أني ولي لابن عفان في الدنيا والآخرة، وولي أوليائه، وعدو أعدائه؛ فقالوا: فبرئ الله منك يا عدو الله؛ قال: فبرئ الله منكم أعداء الله) .

أفادتنا محاورة ابن الزبير وسماعه إلى ما قاله ذلك الخارجي، ومحاورة كذلك الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه لأولئك الذين خرجوا عليه واجتمعوا حوله وحصروه من شذاذ الآفاق، وعندما طالبهم بالبينة أوأن يحلف لهم أبوا عليه ذلك؛ وموقف ابن الزبير هذا يدل على شجاعته وثباته على الحق، حيث لم يداهنهم ولم يجاملهم، وكان في حاجة إلى أن يقفوا إلى صفه ويقاتلوا معه، ولكن لم يأبه بذلك أبدًا، وتولى عثمان وأولياء عثمان، وتبرأ من هذه الطائفة الجائرة الظالمة بعد أن أقام عليهم الحجة، ولكنهم حادوا عنها وحملهم الغرور والهوى على عدم الرجوع إلى الحق.

3.محاورة الخليفة الراشد الخامس عمر بن عبد العزيز للخوارج

كان عمر بن عبد العزيز يسير بسيرة الخلفاء الراشدين في الأمة، ويهتدي بهديهم، من ذلك أمره أحد عماله أن يرسل إليه طائفة منهم بالبريد، ويؤمنهم حتى يسمع مقالتهم ويرد عليهم.

قال الحافظ ابن الجوزي في سيرة عمر بن عبد العزيز له:(حدثنا إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني قال: حدثني أبي عن جدي قال: بلغني أن ناسًا من الحرورية اجتمعوا بناحية الموصل، فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز أعلمه بذلك، فكتب إليَّ يأمرني: أن أرسل إليَّ منهم رجالًا من أهل الجدل، وأعطهم رهنًا، وخذ منهم رهنًا، واحملهم على مراكب البريد إليَّ؛ ففعلت ذلك، فقدموا عليه فلم يدع لهم حجة إلا كسرها، فقالوا: لسنا نجيبك حتى تكفنا أهل بيتك، وتلعنهم، وتتبرأ منهم؛ فقال عمر: إن الله لم يجعلني لعانًا، ولكن إن أبقى أنا وأنتم فسوف أحملكم وإياهم على المحجة البيضاء؛ فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فقال لهم عمر: إنه لا يسعكم في دينكم إلا الصدق، منذ كم دنتم الله بهذا الدين؟ قالوا: منذ كذا وكذا سنة؛ قال: فهل لعنتم فرعون وتبرأتم منه؟ قالوا: لا؛ قال: وكيف وسعكم تركه، ألا يسعني ترك أهل بيتي، وقد يكون فيهم المحسن والمسيء، والمصيب والمخطئ؟ قالوا: قد بلغنا ما هاهنا.

فكتب إليَّ عمر: أن خذ من في أيديهم من رهنك، ودع من في يدك من رهنهم؛ وإن كان رأي القوم أن يسيحوا في البلاد على غير فساد على أهل الذمة، ولا تناول أحد من الأمة، فليذهبوا حيث شاءوا، وإن هم تناولوا أحدًا من المسلمين وأهل الذمة فحاكمهم إلى الله؛ وكتب إليهم:

"بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عمر بن عبد العزيز أمير المؤمنين إلى العصابة الذين خرجوا، أما بعد فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن الله يقول:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن - إلى قوله - بالمهتدين"، وإني أذكركم الله أن تفعلوا كفعل كبرائكم:"الذين خرجوا من ديارهم بطرًا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعلمون محيط"، أفبذنبي تخرجون عن دينكم، وتسفكون الدماء، وتنهكون المحارم، ولو كانت ذنوب أبي بكر وعمر مخرجة رعيتهما من دينهم كانت لهما ذنوب، فقد كانت آباؤكم في جماعتهم فلم ينزعوا، فما ينزعكم على المسلمين وأنتم بضعة وأربعين رجلًا، وإني أقسم لكم بالله لو كنتم أبكاري من ولدي فوليتم عما أدعوكم إليه من الحق لدفقت دماءكم ألتمس بذلك وجه الله والدار الآخرة، فهذا النصح، فإن استغششتموني فقديمًا استغش الناصحون".

فأبوا إلا القتال، وحلقوا رؤوسهم، وساروا إلى يحيى بن يحيى، فأتاهم كتاب عمر ويحيى بن يحيى مواقعهم للقتال:

"من عبد الله عمر إلى أمير المؤمنين يحيى بن يحيى، أما بعد، فإني ذكرت آية في كتاب الله:"ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"، وإن من العدوان قتل النساء والصبيان، فلا تقتلن امرأة، ولا صبيًا، ولا تقتلن أسيرًا، ولا تطلبن هاربًا، ولا تجهزن على جريح إن شاء الله") .

انظر إلى هذا العدل، والإنصاف، والصبر، والحرص على هداية الناس وحقن دمائهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت