فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 1363

ولهذا اتفق العلماء أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته، ويجوز له أن يأبى كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك، ويفعلون به الأفاعيل، حتى إنهم ليضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر، ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم، وهو يقول: أحد، أحد؛ ويقول: والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها؛ رضي الله عنه وأرضاه.

وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ فيقول: نعم؛ فيقول: أتشهد أني رسول الله؟ فيقول: لا أسمع؛ فلم يزل يُقطع إربًا إربًا وهو ثابت على ذلك.

إلى أن قال:

والأفضل والأولى أن يثبت المسلمُ على دينه، ولو أفضى إلى قتله، كما ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة أنه أسرته الروم، فجاءوا به إلى ملكهم فقال له: تنصر وأنا أشركك في ملكي، وأزوجك ابنتي؛ فقال له: لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت؛ فقال: إذًا أقتلك؛ فقال: أنت وذاك؛ قال: فأمر به فصلب، وأمر الرماة فرموه قريبًا من يديه ورجليه، وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى، ثم أمر به فأنزل، ثم أمر بقدر، وفي رواية ببقرة من نحاس فأحميت، وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر، فإذا هو عظام تلوح، وعرض عليه فأبى، فأمر به أن يلقى فيها، فرفع في البكرة ليلقى فيها، فبكى، فطمع فيه، ودعاه، فقال: إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحد تلقى في هذه القدر الساعة في الله، فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله.

وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنع منه الطعام والشراب أيامًا، ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه، ثم استدعاه فقال: ما منعك أن تأكل؟ فقال: أما إنه قد حل لي، ولكن لم اكن لأشمتك بي؛ فقال له الملك: فقبل رأسي وأنا أطلقك؛ فقال: وتطلق معي جميع أسارى المسلمين؟ قال: نعم؛ فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده، فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة، وأنا أبدأ؛ فقبل رأسه رضي الله عنهما).

يظن البعض أن الثبات على المبادئ وعدم الأخذ بالرخص هذا من باب التشدد والغلو، وفي هذا تجنٍ على أصحاب العزائم، وتعدٍ على الشريعة.

يقول الإمام المحقق الاصولي المالكي الشاطبي رحمه الله رادًا على هذه الشبهة: (وربما فهم بعض الناس أن ترك الرخص تشديد، فلا يجعل بينهما وسطًا، والوسط هو معظم الشريعة وأم الكتاب، ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء التام عرف ذلك) .

لقد حذر الله الأمة من التراجع والتنازل في شخص رسولها صلى الله عليه وسلم، حيث قال:"ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلًا إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرًا".

قال ابن عباس:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معصومًا، ولكن هذا تعريف للأمة لئلا يركن أحد منهم إلى المشركين في شيء من أحكام الله تعالى وشرائعه".

خطورة التنازل والتراجع أنه ليس له نهاية ولا حد، فكلما شرع في التراجع طولب بتنازل آخر، ولهذا بين الله عز وجل أن الكفار والمنافقين لن يرضوا عن المسلمين حتى يتخلوا عن دينهم بالكلية:"ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم"، وتنسلخ عن ملتك من حيث لا تشعر.

ومعلوم أن ما من مسلم يبدي تنازلًا إلا لتوهمه وظنه أن هذا التنازل فيه مصلحة للإسلام والمسلمين، وفيه حماية لهذا الدين، وفي ترك هذا التنازل استئصال لشأفة الدين بالكلية، فهذه توهمات شيطانية وأماني نفسية، تورث الخذلان والندامة في الدنيا قبل الآخرة.

فما تنازل أحد إلا وندم، والعاقل من اتعظ بغيره، وفي التاريخ عبر وعظات لمن يعتبر ويتعظ.

قال ابن إسحاق: (خرج عمر بن الخطاب وعياش بن أبي ربيعة المخزومي حتى قدما المدينة، يقول عمر: فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن أبي ربيعة، وكان ابن عمهما وأخوهما لأمهما، حتى قدما علينا المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، فكلماه وقالا له: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط، ولا تستظل من شمس حتى تراك؛ فرق لها.

قال عمر: قال عياش: أبرُّ قسم أمي ولي هناك مال فآخذه؛ قال له عمر: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالًا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما؛ قال: فأبى عليَّ إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك قلت له: أما إذ قد فعلتَ ما فعلتَ فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم ظهرها، فإذا رأيت من القوم ريب فانج عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت