لو سلك علماء الخلف ما كان عليه علماء السلف من الصدق، والتواضع، والتجرد، والتسامح مع بعضهم البعض لصلحت أحوالهم، وائتلفت قلوبهم، وتوحدت جماعاتهم، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، ويكون ذلك باتهام الآراء وعدم الاغترار بها.
صحَّ عن سهل بن حُنَيف رضي الله عنه أنه قال يوم صِفِّين وحكم الحكمين:"يا أيها الناس اتهموا رأيكم، فلقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أبي جندل، ولو نستطيع أن نرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددناه".
وما قاله سهل بن حُنَيف يوم صِفِّين قاله عمر رضي الله عنه، لأنه كان من المحاولين رد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بعض بنود صلح الحديبية، وكذلك فعلته الأنصار عندما قالت يوم الثقيفة:"منا أمير ومنكم أمير"، عندما قال لهم عمر:"منا الأمراء ومنكم الوزراء"، وروى لهم قوله صلى الله عليه وسلم:"الأمراء من قريش"، رجعوا وانصاعوا لقول رسولهم، واقتدوا بمن أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يقتدوا بهما:"اقتدوا باللذين من بعدي"، يعني أبابكر وعمر رضي الله عنهما.
وكذلك رجعت الأنصار عن رأيها عندما أرسلت عمر لأبي بكر ليحبس جيش أسامة، أويولي عليهم رجلًا أكبر سنًا من أسامة، عندما قال أبو بكر لعمر:"والله لو علمتُ أن السباع تجر برجلي إنْ لم أرده ما رددته، ولا حللت لواءً عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فقال عمر:"إن الأنصار أمروني أن أبلغك، وهم يطلبون إليك أن تولي أمرهم رجلًا أقدم سنًا من أسامة"، فوثب أبو بكر وكان جالسًا، وأخذ بلحية عمر، فقال:"ثكلتك أمك وعدمتك يا ابن الخطاب!! استعمله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتأمرني أن أنزعه؟!".
فخرج عمر إلى الناس، فقالوا:"ما صنعت؟"، فقال:"امضوا ثكلتكم أمهاتكم، حسبي ما لقيتُ في سبيلكم من خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وكذلك رجع عمر ورجع جميع الصحابة عن رأيهم إلى ما عزم عليه أبو بكر من حرب المرتدين، وقد كان عمر حاول سنيه عن ذلك عدة مرات، قائلًا:"تألف الناس وارفق بهم"، فقال له أبو بكر:"رجوت نصرتك، وجئتني بخذلانك!! أجبار في الجاهلية وخوار في الإسلام؟! إنه قد انقطع الوحي، وتمَّ الدين، أوينقص وأنا حي!!".
قال عمر:"فما هو إلا أن رأيتُ أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال حتى عرفت أنه الحق".
أرجو أخي القارئ أن تقارن بين هذه المواقف من اتهام الرأي والتنازل عنه، والتأسف على اتخاذه ابتداء، وبين تصلب البعض من أهل العلم على آرائهم ومواقفهم، على الرغم من مراجعة أهل العلم لهم، وتفنيد حججهم، وإثبات ضعف حججهم وآرائهم، لترى البون الشاسع، والفرق الواسع بيننا وبين السلف الصالح، حيث أخذوا بأسباب النصر، وأخذنا بأسباب الخذلان والهزيمة، إن لم نكن مثلهم أليس من الحكمة أن نتشبه بهم، ونحاول التأسي بهم، فالتشبه بالرجال فلاح ونجاح.
هم الرجال وعيب أن يُقال لمن لم يكن مثلهم رجل
ثانيًا: التراجع والتنازل لا يأتيان بخير
الأصل في هذا الدين الثبات على المبادئ، والأخذ بالرخص الشرعية، وليست زلات العلماء وهفواتهم وما ترخصوا فيه، أمر عارض يقدر بقدره، ويحكم فيه بظرفه.
هذا الدين محفوظ بحفظ الله له، أما الحفظ النظري للوحيين: القرآن والسنة، فقد تولاه الله عز وجل حيث قال:"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون"، وأما الحفظ العملي التطبيقي فقد شرف الله به رسله وورثتهم إلى يوم القيامة:"أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل".
لقد وفى السابقون الأولون ما عاهدوا الله عليه، وقاموا بالواجب خير قيام، وشهد لهم ربهم بذلك ومدحهم بقرآن يتلى إلى يوم القيامة:"من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا"، وهذا من السنن الكونية التي لا تتغير ولا تتبدل.
كل الانتصارات التي نالها الإسلام وحازها المسلمون لم تكن إلا نتيجة الثبات على المبادئ، والصبر على الابتلاءات، لولا الله عز وجل ثم الثبات على المبادئ والأخذ بالعزائم لما قامت للدين قائمة ولما رفعت له راية، ولما خضعت ودانت له الدول والشعوب، ولما دخل الناس فيه أفواجًا أفواجًا.
عندما ذكر الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى:"إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرًا"سبب نزولها، وهو نيل عمار بن ياسر من رسول الله حين اشتد عليه العذاب، ثنى وأعقب ذلك بثبات بلال، وحبيب بن زيد الأنصاري، وعبد الله بن حذافة السهمي على المبادئ، وعدم أخذهم بالرخصة، وبيَّن أن هذا هو الأفضل والأولى، حيث قال: (وقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، فوافقهم على ذلك مكرهًا، وجاء معتذرًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية.
إلى أن قال: