ومما يدل على ذلك فإن الناظر إلى كثير من أسباب الخلاف المرفوعة يجدها أسبابًا تافهة لا تعدو في كثير من الأحيان أن تكون من النوع الذي يسوغ فيه الخلاف، وتتعدد فيه وجهات النظر، ورحم الله القائل:"اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية"، عند العقلاء من بني آدم، ولا شك أن العلماء هم سادة العقلاء.
هذا كله في المسائل التي ليس فيها نصوص صحيحة صريحة، وفي وسائل العمل.
لقد ضرب سلفنا الصالح في الإنصاف والتجرد وترك ما كانوا يعتقدون ويدينون إذا تبين لهم الحق في غيره المثل الأعلى والنهج الذي ينبغي أن يحتذى، فمنهم من كان يرجع في الحال عما كان يعتقده ويدين الله به، ومن أمثلة ذلك:
1.رجوع القاضي أبي يوسف رحمه الله
وكان قاضي قضاة الدولة العباسية لمدة أربعين سنة، وهو من كبار تلاميذ أبي حنيفة رحمه الله، عندما جاء المدينة وناظره مالك رحمه الله في أمور هي:
1.المكاييل.
2.صيغة الأذان.
3.زكاة الخضر والفواكه.
قال الشاطبي رحمه الله: (كما اتفق لأبي يوسف مع مالك في المد والصاع حتى رجع إلى القول بذلك) .
وقال كذلك: (وسأله - أي مالك - أبو يوسف عن الأذان، فقال مالك: وما حاجتك إلى ذلك؟ فعجبًا من فقيه يسأل عن الأذان! ثم قال له مالك: كيف الأذان عندكم؟ فذكر مذهبهم فيه، فقال: من أين لكم هذا؟ فذكر له أن بلالًا لما قدم الشام سألوه أن يؤذن لهم، فأذن لهم كما ذكر عنهم؛ فقال مالك: ما أدري ما أذان يوم؟ وما صلاة يوم؟ هذا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولده من بعده يؤذنون في حياته، وعند قبره، وبحضرة الخلفاء الراشدين بعده؛ فأشار مالك إلى أن ما جرى عليه العمل وثبت مستمرًا أثبت في الاتباع، وأولى أن يرجع إليه) .
2.رجوع إسماعيل بن عُليَّة لقول ابن المبارك رحمهما الله
روى الذهبي في سير أعلام النبلاء:(أن ابن المبارك كان يتجر ويقول: لولا خمسة ما اتجرت، السفيانان، وفضَيْل بن عياض، وابن السمَّاك، وابن عُلية؛ فيصلهم، فقدم ابن المبارك سنة فقيل له: قد ولي ابن عُلية القضاء؛ فلم يأته، ولم يصله، فركب إليه ابن عُلية، فلم يرفع به رأسًا، فانصرف، فلما كان من الغد كتب إلى عبد الله رقعة يقول: قد كنتُ منتظرًا لبرك، وجئتك فلم تكلمني، فما رأيت مني؟ فقال ابن المبارك: يأبى هذا الرجل إلا أن نقشر له العصا، ثم كتب إليه:
يا جاعل العلم له بازيًا يصطاد أموال المساكين
احتلتَ للدنيا ولذاتها بحيلة تذهبُ بالدين
فصرت مجنونًا بها بعدما كنتَ دواء للمجانين
أين رواياتك فيما مضى عن ابن عونٍ وابن سيرين
ودَرْسُك العلمَ بآثاره في ترك أبواب السلاطين
تقول: أكرهتُ، فماذا كذا زل حمار العلم في الطين
لا تبع الدين كما يفعل ضلال الرهابين
فلما قرأها، قام من مجلس القضاء، فوطئ بساط هارون الرشيد، وقال: اللهَ اللهَ، ارحم شيبتي، فإني لا أصبر على الخطأ؛ فقال: لعل هذا المجنون أغرى عليك؛ ثم عفاه، فوجه إليه ابن المبارك بالصرة).
وفي بعض الأحيان يقر أحدهم لصاحبه بما قال ويلتزم بأن ما قاله هو الحق، سواء ترك ما كان عليه أم لم يتركه، ويمثل ذلك:
1.ما رد به مالك على العمري الزاهد رحمهما الله
روى الذهبي رحمه الله: (أن عبد الله العمري الزاهد كتب إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل، فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرُبَّ رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، وآخر يفتح له في الجهاد، فنشر العلم من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح لي فيه، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلانا على خير وبر) .
هذا على الرغم من أن كتاب العمري كان فيه غلظة وشدة على مالك، لكن كان رد مالك رد فقيه كما قال الذهبي رحمه الله.
روى الذهبي كذلك قال:(كتب مالك إلى العمري: إنك بدوتَ، فلو كنت عند مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكتب إليه العمري: إني أكره مجاورة أمثالك، إن الله لم يرك متغير الوجه فيه ساعة قط.
قلت: هذا على سبيل المبالغة في الوعظ، وإلا فمالك من أقول العلماء بالحق، ومن أشدهم تغيرًا في رؤية المنكر).
2.إقرار الفضيل بما قاله ابن المبارك رحمهما الله على الرغم من إغلاظ ابن المبارك له
قال الذهبي:(روى عبد الله بن محمد قاضي نصيبين، حدثنا محمد بن إبراهيم بن أبي سكينة قال: أملى عليَّ ابنُ المبارك سنة سبع وسبعين ومائة، وأنفذها معي إلى الفضيل بن عياض من طرْطوس:
يا عابدَ الحرمين لو أبصرتنا لعلمتَ أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب جيده بدموعه فنحورنا بدمائنا تتخضب
أوكان يتعب خيله في باطل فخيولنا يومَ الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا رَهَجُ السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبينا قول صحيح صادق لا يُكذبُ
لا يستوي غبارُ خيل الله في أنف امرئ ودخان نارتلهبُ
هذا كتاب الله ينطق بيننا ليس الشهيدُ بميت لا يكذب
فلقيت الفضيل بكتابه في الحرم، فقرأه وبكى، ثم قال: صدق أبوعبد الرحمن ونصح).