من جملة الشبه التي رفعها المخذلون المثبطون ورد عليها شيخ الإسلام ردًا حاسمًا: أن التتار أظهروا الإسلام فهل يحل قتالهم؟ وكذلك حكم من يكون في عسكرهم من المنتسبين إلى العلم والفقه والفقر والتصوف ونحو ذلك؟ وما يقال فيمن زعم أنهم مسلمون، والمقاتلون لهم مسلمون، وكلاهما ظالم فلا يقاتل مع أحدهما؟ أفتونا في ذلك بأجوبة مبسوطة شافية، فإن أمرهم قد أشكل على كثير من المسلمين، بل على أكثرهم، تارة لعدم العلم بأحوالهم، وتارة لعدم العلم بحكم الله تعالى ورسوله في مثلهم، وفي سؤال آخر: سئل عن أجناد يمتنعون عن قتال التتار ويقولون إن فيهم من يخرج مكرهًا معهم؟
قال الحافظ ابن كثير وهو يتحدث عن وقعة"شقحب": (وقد تكلم الناس في كيفية قتال هؤلاء التتار من أي قبيل هو؟ فإنهم يظهرون الإسلام، وليسوا بغاة على الإمام، فإنهم لم يكونوا في طاعته في وقت ثم خالفوه، فقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: هؤلاء من جنس الخوارج الذين خرجوا على علي ومعاوية، ورأوا أنهم أحق بالأمر منهما، وهؤلاء يزعمون أنهم أحق بإقامة الحق من المسلمين، ويعيبون على المسلمين ما هم متلبسون به من المعاصي والظلم، وهم متلبسون بما هو أعظم منه بأضعاف مضاعفة، فتفطن العلماء والناس لذلك؛ وكان يقول للناس: إذا رأيتموني من ذلك الجانب وعلى رأسي مصحف فاقتلوني؛ فتشجع الناس في قتال التتار وقويت قلوبهم ونياتهم ولله الحمد) .
قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة، حيث التاريخ يعيد نفسه، وتثار نفس الشبه أوقريبًا منها في هذه الأيام ضد المقاومين للغزاة وأعوانهم في أفغانستان والعراق وغيرهما، مع الاختلاف الكبير بين غزاة العراق القدامى الذين أظهروا الإسلام وبين غزاة أفغانستان والعراق من الكافرين؛ تعجل بذلك حتى لا يؤتى الإسلام من قبل علمائه وولاة أمره - إن لم يكن قد أتي - وقبل فوات الأوان، وحلول الندم.
هذا وقد آن الأوان للشروع في المطلوب، فأقول وبالله التوفيق، وأسأله العون والتسديد، من تلكم الأمور التي أحب أن أذكر نفسي وإخواني بها ما يأتي:
أولًا: الاعتداد والإعجاب بالرأي
من الأمور التي ينبغي للمسلمين عمومًا، وللعلماء خصوصًا، الحذر والخوف منها الاعتداد بالرأي والإعجاب به المؤدي إلى الغرور والاستكبار.
فعن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه وقد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تأويل قوله تعالى:"عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم"، فقال:"ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعًا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع العوام".
وعلى العلماء أن يتخلقوا بأخلاق سلفهم الصالح في التواضع والرجوع إلى الحق واتهام الآراء والاجتهادات، ولا أدل على ذلك من رجوع كثير منهم إلى أقوال من ناظرهم، فها هو القاضي أبو يوسف يرجع إلى قول مالك في عدد من الأمور، ويقول مخاطبًا له:"لقد رجعت إلى قولك يا أبا عبد الله، ولو سمع صاحبي ما سمعت لرجع كما رجعت"، أوكما قال رحمه الله.
وكذلك أثر عن الشافعي رحمه الله أنه قال: ما ناظرت أحدًا إلا وتمنيت أن يجري الله الحق على لسانه"، وقال كذلك:"قولي صواب يحتمل الخطأ، وقول غيري خطأ يحتمل الصواب"، بهذه الروح الطيبة والنفس الكريمة على العالم أن يأخذ ويرد مع إخوانه من أهل العلم، وعليه أن لا يقفل الباب أمامهم، وأن لا يعزم ويصمم على البقاء على ما أدَّاه إليه اجتهاده، سيما في المسائل التي تقبل أكثر من رأي، وفي مواسم الفتن التي تجعل الحليم حيران، حيث تختلف فيها وجهات النظر والتقديرات."
الاعتداد بالرأي والإعجاب والتعصب له من أقوى أسباب الخلاف والافتراق الذي مزق الأمة، وبدد جهودها، ومكن لأعدائها من السيطرة عليها.
الإعجاب بالرأي مرده إلى الكبر الذي يكون مانعًا من دخول الجنة، سواء كان مع أول الداخلين بالنسبة لعصاة المسلمين، أوبالكلية لمن استكبروا عن قبول دعوة الحق والانصياع إليها، فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا، ونعله حسنة؟ قال:"إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطرُ الحقِّ وغمط الناس".
وبطرُ الحق دفعه ورده على قائله، وغمط الناس احتقارهم، ولهذا عندما توهم هذا الرجل أن الكبر هو التزين بالثياب والنعال الحسنة بين له رسول الله صلى الله عليه وسلم أن مجرد التزيي بالملابس والأحذية الجميلة ليس من الكبر، فالله جميل يحب الجمال، والله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، وإنما الكبر المانع من دخول الجنة شيء زائد عن ذلك، وهو متعلق بالقلب، ومتمثل في دفع الحق ورده، وعدم التراجع عما يعتقد ويقول بالأدلة الدامغة، واحتقار الناس وازدراؤهم والاستخفاف بهم وبآرائهم لمجرد صدورها من أناس معينين.