فهرس الكتاب

الصفحة 150 من 1363

لذلك أمرنا الله عز وجل بطاعتهم في المعروف والتزام أوامرهم، وحذر من مخالفتهم والخروج عليهم المؤدي إلى الفتن وإراقة الدماء، فقال:"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤكدًا لهذا الأمر ومبينًا أن الطاعة لولاة الأمر في المعروف:"على المرء المسلم السمعُ والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة".

ولهذا عُدَّ موت العالم ثلمة في الدين، وكانت حاجة ولاة الأمر من العلماء والحكام للنصيحة لا تدانيها حاجة ولا تساويها هدية، مما حدى برسولنا الكريم بالتذكير بها قائلًا:"الدين النصيحة"، قلنا: لمن؟ قال:"لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم".

كان الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون يُسرُّون للنصيحة ويفرحون بها، ويثنون على مسديها لهم، ولا يستنكفون عن قبولها، قال أبو بكر:"لا خير فينا إن لم نقبلها، ولا خير فيكم إن لم تقولوها"، وقال عمر رضي الله عنه:"رحم الله امرءًا أهدى إليَّ عيوبي"، وعلى هذا المنوال سار ولاة الأمر من سلف هذه الأمة.

لا يشترط في الناصح أن يكون أكثر علمًا، ولا أكبر قدرًا، ولا أتم عدالة من المنصوح، ولله در الإمام إسحاق بن أحمد العلثي حيث قال في مقدمة نصيحة كتبها لأخيه الإمام ابن الجوزي رحمه الله: (ولو كان لا ينكر من قل علمه على من كثر علمه إذًا لتعطل الأمر بالمعروف، وصرنا كبني إسرائيل حيث قال الله تعالى:"كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه"، بل ينكر المفضول على الفاضل، وينكر الفاجر على الولي، على تقدير معرفة الولي) .

بل المسلم مطالب أن يرجع إلى الحق ويقبله وإن جاءه من كافر أومنافق، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه، وعندما قيل له: كيف نعرف أن الكافر أوالمنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: إن على الحق نورًا.

ولله در الإمام أحمد حيث لم يستنكف من قبول نصيحة جاءته من أحد أعراب البادية وهو في فتنة خلق القرآن، بل عدها من أقوى النصائح التي سمعها منذ أن ابتلي بتلك الفتنة.

قال رحمه الله واصفًا محنته:(صرنا إلى"الرحبة"، ورحلنا منها في جوف الليل، فعرض لنا رجل، فقال: أيكم أحمد بن حنبل؟ فقيل له: هذا؛ فقال للجمال: على رسلك؛ ثم قال: يا هذا، ما عليك أن تقتل هاهنا، وتدخل الجنة؟! ثم قال: أستودعك الله؛ ومضى، فسألت عنه، فقيل لي: هذا رجل من العرب من ربيعة، يعمل الصوف في البادية، يقال له جابر بن عامر، يذكر بخير.

قال أحمد: ما سمعت كلمة منذ وقعت في هذا الأمر أقوى من كلمة أعرابي كلمني بها في"رحبة طوق"، قال: يا أحمد! إن يقتلك الحق مُتَّ شهيدًا، وإن عشتَ عشتَ حميدًا، فقوى قلبي) .

لهذا السبب أحببت أن أذكر نفسي أولًا، وأنبه إخواني العلماء لبعض الأمور، مع يقيني أنها ليست غائبة عنهم، ولكن من باب الذكرى، وعملًا بقوله صلى الله عليه وسلم:"رب مبلغ أوعى من سامع"، وبقوله:"المسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم"، و"المؤمن مرآة أخيه"، وأعوذ بالله من أن أكون وصيًا على أحد.

ولأن الفتن والمحن والكوارث التي حلت بالأمة الإسلامية في هذا العصر لا سبيل للخروج منها إلا بالمناصحة الواعية، والمواجهة الصادقة، والمحاسبة الدقيقة بين علماء الأمة، وإخوة العقيدة، ورفقاء الدرب أولًا، ثم بين قطاعات الأمة الأخرى، فما من مسلم إلا وهو مسؤول عما حدث، وإلا وهو على ثغرة من الثغور، وله دور ينبغي أن يقوم به ويؤديه للخروج من هذه الفتن، مهما كان هذا الدور كبيرًا أم صغيرًا، ولا ينبغي لأحد أن يحقر نفسه ويذلها ويجهل قدرها.

مع يقيننا التام بأن المسؤولية العظمى والخطيرة تقع على هذين الصنفين: العلماء والحكام، فإذا لها الحكام عن ذلك وتشاغلوا عنها لأي سبب من الأسباب، ينبغي للعلماء أن يذكروهم بمسؤوليتهم، وأن يحضوهم ويحثوهم على القيام بها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عندما هجم التتار على بغداد وتوجهوا بعدها إلى الشام، خرج شيخ الإسلام ابن تيمية إلى مصر لأن الشام كان تابعًا لحكام مصر، وطالبهم بالمجيء للدفاع عنه.

إذا لم يستجب الحكام لذلك فعلى العلماء وطلاب العلم أن يبذلوا قصارى جهدهم ويعملوا ما في وسعهم للقيام بدورهم المنوط بهم، كما فعل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه وغيرهم، حيث خرجوا لجهاد التتار الغزاة، وحرضوا المسلمين على ذلك، واجتهدوا في إزالة الشبه المثبطة والمخذلة عن الدفاع والذود عن الدين، والعرض، والحريم، والديار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت