فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 1363

قال عمر: فخرج عليها معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال أبوجهل: يا ابن أخي، والله لقد استغلظ عليَّ بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى؛ قال: فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما استووا بالأرض عَدَوَا عليه فأوثقاه رباطًا، ثم دخلا به مكة، وفتناه وافتتن.

قال ابن إسحاق: أنهما حين دخلا به مكة دخلا به نهارًا موثقًا، ثم قالا: يا أهل مكة، هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفهائنا).

الرخص الشرعية قسمان

يمكن أن نقسم الرخص الشرعية من حيث الأخذ بها إلى قسمين:

1.ما يتعلق بالعبادات كقصر الصلاة في السفر، والفطر للمسافر في رمضان، والمسح على الخف والجوارب، وأكل المضطر للميتة، ونحو ذلك.

وهذا القسم يحب الله الإتيان به لمن احتاج إليه، كمحبته للأخذ بالعزائم:"إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه".

2.ومنها ما يتعلق بحفظ النفس وحمايتها من القتل والتعذيب والتضييق ونحو ذلك، خاصة من قبل أعداء الإسلام وغيرهم.

وهذا القسم الأولى والأفضل عدم الأخذ به لمن أنس في نفسه الكفاءة والقدرة على التحمل والصبر على ما يلاقي، لأن في ذلك نصر للدين وثبات للآخرين، كما فعل الرسل وأتباعهم، ويشهد لذلك ثبات:

1.سحرة فرعون عندما واجهوا تهديده لهم بالقتل، والصلب، والتعذيب بقولهم:"فاقض ما أنت قاضٍ إنما تقضي هذه الحياة الدينا".

2.راهب، وغلام، ووزير ملك أصحاب الأخدود، وكانت النتيجة إيمان سائر الرعية، ولو أخذوا بالرخصة وآثروا الفانية على الباقية لما آمن من آمن، ولربما نالهم غضب الملك ففتك بهم بعد فتنتهم فخسروا الدنيا والآخرة، وذلك هو الخسران المبين.

أما نماذج ذلك في شريعتنا فأكثر من أن تحصى، نشير إلى بعضها:

3.فها هو عثمان بن مظعون رضي الله عنه وقد أذن رسول الله للمستضعفين أن يحتموا بالمشركين، فدخل مكة بعد أن عاد من الحبشة في جوار الوليد بن المغيرة، فكان يعيش في أمان لا يصيبه أذى المشركين، ولكن عز عليه أن يكون في هذا الأمان وإخوانه يعذبون وينالون من الأجر أضعاف ما ينال.

(فمشى إلى الوليد بن المغيرة فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، قد رددت إليك جوارك؛ فقال له: لِمَ يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي؛ قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره؛ قال: انطلق إلى المسجد، فاردد عليَّ جواري علانية كما أجرتك علانية.

قال ابن إسحاق: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد، فقال الوليد: هذا عثمان، قد جاء يرد عليَّ جواري؛ قال: صدق، قد وجدته وفيًا كريم الجوار، ولكني أحببت أن لا أستجير إلا بالله، فقد رددت عليه جواره؛ ثم أبصر عثمان، ولبيد بن ربيعة - الشاعر - في مجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان، فقال لبيد:

ألا كل شيء ما خلا الله باطل

قال عثمان: صدقت؛ قال لبيد:

و كل نعيم لا محالة زائل

قال عثمان: كذبت، نعيم الآخرة لا يزول؛ قال لبيد: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث هذا فيكم؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا، فلا تجد في نفسك من قوله؛ فرد عليه عثمان حتى شرى أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضَّرها.

والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة؛ قال عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني في جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس؛ فقال له الوليد: هلم يا ابن أخي إن شئت فعد إلى جوارك؛ فقال: لا).

4.ما فعله عثمان بن مظعون فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنهما حيث أخذ بالعزيمة من أجل إظهار دينه وإعزازه.

خرج البخاري في صحيحه بسنده إلى عائشة رضي الله عنها قالت:"لم أعقل أبَوَيَّ قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرًا إلى أرض الحبشة، حتى إذا بلغ بَرْك الغماد لقيه ابن الدَّغنة وهو سيد القارة، فقال: إلى أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض أعبد ربي؛ فقال ابن الدِّغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يَخْرج، ولا يُخرج مثله، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكلَّ، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، وأنا لك جار، فارجع فاعبد ربك ببلدك."

فرجع وارتحل معه ابن الدِّغِنة، وطاف ابن الدِّغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله، ولا يُخرج، أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الدهر؟! فلم يكذب قريشًا بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، ويصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا (!!)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت