ما قاله الإمام مالك فيه نظر، فقد ثبت أن عددًا من الصحابة والتابعين والسلف الصالحين ليس بالقليل قد اعتكفوا وداوموا على هذه السنة، سيما في العشر الأواخر من رمضان، ويدل على ذلك تعجب الإمام التابعي الجليل محمد بن شهاب الزهري وهو مدني، حيث قال:"عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله"، والنبي صلى الله عليه وسلم هو القدوة والأسوة بأبي هو وأمي، فكل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم كما قال مالك وغيره رحمهم الله تعالى.
وتعليل مالك رحمه الله لعدم اعتكاف أولئك النفر من الصحابة فيه نظر هو الآخر، إذ كان هؤلاء من أصحاب العزائم النادرة، والقوة الفائقة، والصبر على الطاعات، وربما كانت لهم موانع سوى ذلك من مهام دينية، أودنيوية أخرى، من مرض ونحوه، كما كان لمالك عذر منعه من شهود الجماعة وهو سلس البول، ولم يبح به إلا في آخر أيامه رحمه الله.
يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله رادًا ودافعًا لما قاله مالك رحمه الله: (وأما قول ابن نافع عن مالك:"فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة اتباعهم للأثر فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته"، وكأنه أراد صفة مخصوصة، وإلا فقد حكيناه عن غير واحد من الصحابة، ومن كلام مالك أخذ بعض أصحابه أن الاعتكاف جائز، وأنكر ذلك عليهم ابن العربي، وقال: إنه سنة مؤكدة؛ وكذا قال ابن بطال: في مواظبة النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على تأكيده؛ وقال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن العلماء خلافًا أنه مسنون) .
وقال الماوردي رحمه الله: (فالاعتكاف سنة حسنة وقربة مأمور بها غير واجبة، ولا لازمة) .
الاعتكاف ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم
الاعتكاف عبادة من العبادات لم يتركها رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن هاجر إلى المدينة حتى توفاه الله، وهذا يدل على عدم نسخه، ويدل على عدم تخصيصه برسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكاف أزواجه بعده كما صح عن عائشة رضي الله عنه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه بعده"الحديث.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله معلقًا على حديث عائشة هذا: (ومن الثاني أنه لم ينسخ وليس من الخصائص) .
شروط صحة الاعتكاف
ما من عبادة إلا ولها شروط صحة، وشروط وجوب، وما من عبادة إلا ولها تحليل وتحريم.
فشروط صحة الاعتكاف هي:
1.الإسلام.
2.العقل.
3.النية.
4.المسجد.
5.الصوم.
6.إذن الرجل لزوجه ومملوكه.
1.الإسلام
شرط لصحة جميع العبادات، لقوله عز وجل:"وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة"، وعندما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن قال له:"إنك قادم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك في ذلك فأعلمهم أن الله كتب عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة.."الحديث، فرتب العبادات على الإيمان.
فالكافر مطالب أولًا بتوحيد الله عز وجل، ثم بعد ذلك بأداء العبادات.
قال الإمام الشيرازي: (لا يصح من الكافر كالصوم) .
2.العقل
لقد رفع الله القلم عن المجنون حتى يفيق، فالمجنون والمغمى عليه لا يستطيعان التمييز بين ما تحله العبادة وما تحرمه.
وقال الشيرازي رحمه الله: (وأما من زال عقله كالمجنون والمبرسم فلا يصح منه لأنه ليس من أهل العبادات، فلا يصح منه الاعتكاف كالصوم) .
3.النية
شرط في صحة جميع العبادات، لقوله عز وجل:"وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين"الآية، ولقوله صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات"الحديث.
4.المسجد
أ . للرجل
هو شرط لصحة اعتكاف الرجل إجماعًا، إذ لا يصح اعتكاف رجل إلا في مسجد، سواء كان جامعًا أم ليس بجامع، لقوله عز وجل:"أن طهِّرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود"، ولقوله تعالى:"ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد".
ولقول عائشة رضي الله عنها:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه إذا أخبية، خباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب، فقال: آلبِرَّ تقولون بهن؟ ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرًا من شوال"، وفي رواية:"آلبر تردن؟".