ماذا تأمل في هذه الدنيا؟ وقد أمسك صاحبا الصور بقرنيهما ينتظران الأمر من الله كما أخبر نبيك محمد صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى منذ أمد بعيد، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن صاحبي الصور بأيديهما ـ أوفي أيديهما ـ قرنان يلاحظان النظر متى يؤمران"، بل ماذا تنتظر؟"إلا فقرًا منسيًا، أوغنى مطغيًا، أومرضًا مفسدًا، أوهرمًا مفندًا، أوموتًا مجهزًا، أوالدجال فشر غائب ينتظر، أوالساعة فالساعة أدهى وأمر".
أنسيتَ الموت أخي المسلم، وأنت ونحن من أبناء الموتى، وقد نعاك الله عز وجل، ومن أصدق من الله قيلًا؟ ومن أصدق من الله حديثًا؟"إنك ميت وإنهم ميتون"الآية.
تذكر أخي الحبيب دائمًا وأبدًا هادم اللذات، ومفرق الجماعات، وميتم البنين والبنات، تذكر من حضر معك رمضان الماضي من الأحبة والأصدقاء أين هم الآن؟ احمد الله الذي أعطاك هذه الفرصة وقد حرمها الكثيرون، ومن أدراك فلعلها تكون آخر الفرص؟
أقول كل هذا ولا أعلم والله أحدًا عنده ما عندي من الغفلة، والتسويف، والذنوب، والآثام، ولا أعلم أحدًا أشد حاجة إلى الموعظة والذكرى مني، ونعوذ بالله أن نكون ممن وصفهم الله عز وجل بقوله:"أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون"الآية.
وبعد..
فهذه مذكرة تحوي أهم أحكام الاعتكاف، كتبتها تبصرة لغافل مثلي، وتذكرة لمن يطلع عليها من إخواني المؤمنين الموفقين، عسى أن يشفيَ الله بها من الغفلة، وينفع بها من الجهالة، ويمنح بها من الدعوات الصالحات، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
تعريف الاعتكاف
الاعتكاف لغة: هو لزوم الشيء والمكث فيه، قال تعالى:"ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون"، حسنًا كان أم قبيحًا.
والاعتكاف شرعًا: لزوم المسجد والمكث فيه بنية التقرب إلى الله عز وجل، سواء صُحب بصوم أم لا، قال تعالى:"ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد".
مشروعية الاعتكاف
الاعتكاف مشروع ودليل مشروعيته الكتاب والسنة.
قال تعالى:"ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد"الآية.
وقال:"أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود".
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله، ثم اعتكف أزواجه من بعده"الحديث، كما أخرجه البخاري في صحيحه.
وقته
يصلح الاعتكاف في طول أيام السنة من غير استثناء، ويستحب في رمضان وفي العشر الأواخر منه.
حكم الاعتكاف
الاعتكاف إما أن يكون نذرًا أوتطوعًا.
أ . فالنذر حكمه الوجوب، لما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام؛ قال: أوف بنذرك"، ولحديث عائشة في البخاري:"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصيه".
ب . أما التطوع فقد ذهب فيه أهل العلم ثلاثة مذاهب بعد اتفاقهم على مشروعيته، هي:
1.سنة مؤكدة، وهذا مذهب ابن شهاب، وأبي حنيفة، وأحمد، وابن بطال وابن العربي المالكيين.
2.مستحب، وهذا مذهب العامة من أهل العلم.
3.جائز، وهذا مذهب طائفة من المالكية.
والراجح أنه سنة مؤكدة، لما روته عائشة رضي الله عنها:"أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده".
ولما صح عن ابن عمر كذلك:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتكف العشر الأواخر من رمضان".
ولما رواه ابن المنذر عن ابن شهاب:"عجبًا للمسلمين، تركوا الاعتكاف والنبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه منذ دخل المدينة حتى قبضه الله".
وقال أبوداود عن أحمد: (لا أعلم عن أحد من العلماء خلافًا أنه مسنون) .
قال ابن بطال رحمه الله: (مواظبته صلى الله عليه وسلم على الاعتكاف تدل على أنه من السنن المؤكدة) .
وقال مالك رحمه الله: (ولم يبلغني أن أبا بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا أحدًا من سلف هذه الأمة، ولا ابن المسيِّب، ولا أحدًا من التابعين، ولا أحدًا ممن أدركت من اقتدي به اعتكف، ولقد كان ابن عمر من المجتهدين، وأقام زمانًا طويلًا فلم يبلغني أنه اعتكف، إلا أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، ولست أرى الاعتكاف حرامًا؛ فقيل: لم تراهم تركوه؟ فقال: أراه لشدة الاعتكاف عليهم، لأن ليله ونهاره سواء، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوصال، فقالوا له: إنك تواصل؟ فقال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني؛ وقد قالت عائشة حين ذكرت القُبلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صائم، فقالت: وأيكم أملك لإربه من رسول الله؟ وأنهم لم يكونوا يقوون من ذلك على ما كان يقوى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم) .