وقال في موضع آخر: وحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس المذكور لأجل الجمع بأن يحمل النفي على صفة مخصوصة، إما الرفع البليغ فيدل عليه قوله"حتى يُرى بياض إبطيه"، ويؤيده أن غالب الأحاديث التي وردت في رفع اليدين في الدعاء إنما المراد به مد اليدين وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء مع ذلك زاد فرفعهما جهة وجهه حتى حاذتاه وبه حينئذ يُرى بياض إبطيه، وأما صفة اليدين في ذلك فلما رواه مسلم من رواية ثابت عن أنس:"أن رسول الله صلى استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء"، ولأبي داود من حديث أنس أيضًا:"كان يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل بطونهما مما يلي الأرضَ، حتى رأيتُ بياضَ إبطيه"، قال النووي: قال العلماء: السنة في كل دعاء لرفع البلاء أن يرفع يديه جاعلًا ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء، انتهى؛ وقال غيره: الحكمة في الإشارة بظهور الكفين في الاستسقاء دون غيره للتفاؤل بتقلب الحال ظهرًا لبطن، كما قيل في تحويل الرداء، أوهو إشارة إلى صفة المسؤول، وهو نزول السحاب إلى الأرض).
2.رفع اليدين إثر رمي الجمرة الصغرى والوسطى
من مواطن الدعاء المقيدة التي ترفع فيها اليدان إثر رمي الجمرة الصغرى والوسطى أيام التشريق الثلاثة، وذلك لما صح عن ابن عمر رضي الله عنهما:"أنه كان يرمي الجمرة بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يستقبل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيستقبل ويقوم طويلًا ويدعو، ويرفع يديه، ثم يرمى جمرة ذات العقبة ولا يقف عندها، ثم ينصرف، فيقول: هكذا رأيتُ رسول الله صلى يفعله".
3.رفع اليدين في الدعاء في أثناء الخطبة
لقد سبق أن الرسول صلى رفع يديه وهو على المنبر يخطب عندما استسقى به بعض الأعراب، ورفع الناس أيديهم معه.
واستحب بعض أهل العلم للإمام في حال الخطبة أن يشير بالسبابة فقط، وذلك لما خرجه مسلم في صحيحه من حديث عمارة بن رُوَيْبة:"أنه رأى بشر بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك وقال: لقد رأيتُ رسول الله صلى وما يزيد على هذا يشير بالسبابة".
قال الحافظ ابن حجر معلقًا على حديث عمارة هذا: (فقد حكى الطبري عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره، وقال: السنة أن الداعي يشير بإصبع واحدة، ورده إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق الحديث فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار بمشروعيتها) .
والذي يظهر والله أعلم أن الخطيب له أن يشير بالسبابة وحدها في حال الدعاء، وإذا رفع كلتا يديه فلا حرج عليه.
ج. لا ترفع الأيدي في الدعاء دبر الصلوات المكتوبات
من المواطن التي لم يشرع فيها رفع اليدين في الدعاء خارج الصلاة دبر الصلوات المكتوبة، إذ لم يثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه رفع يديه فيها، بل لم يثبت عنه ولا عن خلفائه أنه كان يجلس في مصلاه إلا بمقدار أن يقول:"اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام".
خرَّج مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمكث إذا سلم بمكانه يسيرًا"، قال ابن شهاب:"حتى ينصرف النساء فيما نرى".
وروي عن أنس رضي الله عنه قال:"صليت خلف النبي صلى فكان ساعة يسلم يقوم، ثم صليتُ مع أبي بكر فكان إذا سلم وثب كأنه على رضفة"، يعني الحجر المحمى.
وقال ابن وهب: (عن يونس بن يزيد: أن أبا الزناد أخبره قال: سمعتُ خارجة بن زيد بن ثابت يعيب على الأئمة قعودهم بعد التسليم، وقال: إنما كانت الأئمة ساعة تسلم تنقطع مكانها، قال ابن وهب: وبلغني عن ابن شهاب أنها السنة؛ قال ابن وهب: وقال ابن مسعود: يجلس على الرضف خير له من ذلك؛ قال ابن وهب: وبلغني عن أبي بكر الصديق أنه كان إذا سلم لمكانه على الرضف حتى يقوم، وأن عمر بن الخطاب قال: جلوسه بعد السلام بدعة") ."
يستحب الإكثار من الدعاء داخل الصلاة، خاصة في السجود، أما بعد السلام فالمشروع هو الذكر.
قال ابن القيم رحمه الله: (وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة أوالمأمومين فلم يكن ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم أصلًا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن.