لهذه الأحاديث وغيرها كثير، أجاز أهل العلم رفع اليدين في الدعاء، سيما المطلق خارج الصلاة، لقد بلغت أحاديث رفع اليدين في الدعاء خارج الصلاة درجة التواتر المعنوي.
كما يجوز الدعاء من غير رفع اليدين.
ب. حكم رفع اليدين في الدعاء المقيد خارج الصلاة
يتفاوت حكم رفع اليدين في الدعاء المقيد خارج الصلاة تفاوتًا كبيرًا، فبينما أجمع العامة من أهل العلم على تأكيد سنيته في بعض المواطن، منعوا رفعها منعًا مطلقًا في بعضها لعدم وجود الدليل على ذلك، وسنفصل القول في ذلك لأنه هو الدافع لكتابة هذا البحث.
1.رفع اليدين في الاستسقاء
هذا من آكد المواطن المقيدة التي استحب أهل العلم فيها رفع اليدين في الدعاء، بل كادوا أن يجمعوا على ذلك، بله ومن أهل العلم من منع رفع اليدين في الدعاء إلا في الاستسقاء، وذلك لما صح عن أنس رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم:"لم يكن يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء"الحديث، سواء في ذلك كان طلب السقيا بصلاة الاستسقاء أم بغيرها.
الأدلة على ذلك
1.عن أنس رضي الله عنه قال:"أتى رجل أعرابي من أهل البدو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس؛ فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه يدعو، ورفع الناس أيديهم معه يدعون، قال: فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا، فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى، فأتى الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، بشق المسافر، ومنع الطريق".
2.وعنه رضي الله عنه قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء، وإنه يرفع حتى يُرى بياضُ إبطيه".
3.وفي رواية عنه قال:"أصابت الناس سنة على عهد النبي صلى، فبنيا النبي صلى يخطب في يوم جمعة قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال، وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه، وما نرى في السماء قَزَعة ـ فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيتُ المطر يتحادر على لحيته صلى الله عليه وسلم، فمطرنا يومنا ذلك، ومن الغد، وبعد الغد، حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي ـ أوقال غيره ـ فقال: يا رسول الله، تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا؛ فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولاعلينا، فما يشير بيده إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجَوْبَة، وسال الوادي قناة شهرًا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود".
صفة رفع اليدين في الاستسقاء
تختلف صفة رفع اليدين في الدعاء في الاستسقاء عن غيره في الآتي:
1.يبالغ في رفع اليدين في الاستسقاء ما لا يبالغ في غيره من المواطن، حتى تصير اليدان حذو الوجه مثلًا وفي غيرها حذو المنكبين.
2.في الاستسقاء الكفان تليان الأرض، وفي غيره تليان السماء، وبذلك يؤول حديث أنس السابق:"لم يكن يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء"، ليوفق بينه وبين الأحاديث المستفيضة التي بينت رفع يديه في الدعاء في غير الاستسقاء.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (وحاصله أن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير اليدان في حذو الوجه مثلًا، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر على ذلك أنه ثبت في كل منهما"حتى يُرى بياض إبطيه"، بل يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وأما أن الكفين في الاستسقاء يليان الأرض، وفي الدعاء يليان السماء، قال المنذري: وبتقدير تعذر الجمع فجانب الإثبات أرجح؛ قلت: ولا سيما مع كثرة الأحاديث الواردة في ذلك، فإن فيه أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء سرد منها النووي في"الأذكار"، وفي"شرح المهذب"جملة، وعقد لها البخاري أيضًا في"الأدب المفرد"بابًا.