أما تخصيص ذلك بصلاتي الفجر والعصر، فلم يفعل ذلك هو ولا أحد من خلفائه ولا أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضًا عن السنة بعدهما، والله أعلم، وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها، وأمر بها فيها، وهذا هو اللائق بحال المصلي، فإذا سلم منها انقطعت تلك المناجاة، وزال ذلك الموقف بين يديه، وبالقرب منه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه والإقبال عليه، ثم يسأله إذا انصرف عنه؟! ولا ريب أن عكس هذا الحال هوالأولى بالمصلين إلا أن هاهنا نكتة لطيفة، وهو أن المصلي إذا فرغ من صلاته، وذكر الله وهلله وسبحه وحمده وكبره بالأذكار المشروعة عقيب الصلاة، استحب له أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك ويدعو بما شاء، ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، لا لكونه دبر الصلاة، فإن كل من ذكر الله وحمده وأثنى عليه، وصلى على رسول الله صلى استحب له الدعاء عقيب ذلك، كما في حديث فضالة بن عبيد:"إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم ليصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليدعُ بما شاء").
سئلت هيئة الإفتاء بالمملكة العربية السعودية عدة أسئلة عن مشروعية الدعاء دبر الصلوات المكتوبة وعن رفع اليدين فيه، فأجابت:(ليس الدعاء بعد الفرائض بسنة إذا كان ذلك برفع الأيدي سواء من الإمام وحده، أوالمأموم وحده، أومنهما جميعًا، بل ذلك بدعة، لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم، أما الدعاء بدون ذلك فلا بأس به لورود بعض الأحاديث في ذلك.
وفي جواب آخر عن نفس هذا السؤال: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما نعلم أنه رفع يديه بعد السلام من الفريضة في الدعاء، ورفعهما بعد السلام من صلاة الفريضة مخالف للسنة).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وقد سئل عن الدعاء عقيب الصلاة هل هو سنة أم لا؟ ومن أنكر على إمام لم يدعُ عقيب صلاة العصر هل هو مصيب أم مخطئ؟ فأجاب:(الحمد له، لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو هو والمأمومون عقيب الصلوات الخمس كما يفعله بعض الناس عقيب الفجر والعصر، ولا نقل ذلك عن أحد، ولا استحب ذلك أحد من الأئمة، ومن نقل عن الشافعي أنه استحب ذلك غلط عليه، ولفظه الموجود في كتبه ينافي ذلك، كذلك أحمد وغيره من الأئمة.
إلى أن قال: ولو دعا الإمام والمأموم أحيانًا عقيب الصلاة لأمر عارض لم يكن هذا مخالفًا للسنة، كالذي يداوم على ذلك، والأحاديث الصحيحة تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو دبر الصلاة قبل السلام ويأمر بذلك.
إلى أن قال: وأما دعاء الإمام والمأمين جميعًا عقيب الصلاة فلم ينقل هذا أحد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن نقل عنه أنه أمر معاذًا أن يقول دبر كل صلاة:"اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، ونحو ذلك، ولفظ دبر الصلاة قد يُراد به آخر جزء من الصلاة، كما يراد بدبر الشيء مؤخره، وقد يراد ما بعد انقضائها).
وقال الونشريسي المالكي رحمه الله في"المعيار المعرب، والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقيا والأندلس والمغرب"عن رفع اليدين بالدعاء بعد الصلاة:(وسئل فقهاء"بجاية"عن دعاء الإمام بعد فراغه من الصلاة، أوبعد قراءة الحزب، ويمسح بيديه، وكذلك الجماعة إلى أن نُهي عن ذلك ومنع منه، فإذا صح النهي فما وجهه؟
فأجاب الفقيه أبو العباس أحمد بن عيسى منهم بأن ما ذكره السائل من النهي صحيح، وعلل بأن العمل لم يصحبه، وفاعل ذلك لا يبلغ الأمر به إلى التحريم، لأن النهي من قائله نهي تنزيه لا تحريم.
وأجاب الفقيه أبو عزير: الدعاء مأمور به، فمن أراد دعا، ومن أراد ترك، لكن إنما يدعو الداعي وحده، وذكر ابن شهاب في بسط اليد ومسح الوجه به بعد الدعاء حديثًا وضعفه، ولكن الظاهر أنه يجوز.
قلت: قال في العتبية: قال مالك: رأيتُ عامر بن عبد الله يرفع يديه وهو جالس بعد الصلاة يدعو، فقيل لمالك أترى بهذا بأسًا؟ قال: لا أرى به بأسًا، ولا يرفعهما جدًا؛ ابن رشد: إجازة مالك في هذه الرواية لرفع اليدين في الدعاء عند خاتمة الصلاة هو نحو قوله في المدونة، لأن خاتمة الصلاة موضع الدعاء.
إلى أن قال: وقال ابن رشد: إنكار مالك مسح الوجه بالكفين لكونه لم يرد به أثر.
إلى أن قال: وسئل الشيخ الحافظ أبو العباس أحمد بن قاسم القباب من أئمة فاس عن حكم الدعاء إثر الصلاة، فأجاب رحمه الله بما نصه: الحمد لله، الجواب وبالله تعالى التوفيق أن الذي عندي ما عند أهل العلم في ذلك من أن ذلك بدعة قبيحة، ولو لم يتق منها إلا هذا الواقع من أن من ترك ذلك يرى أنه أتى منكرًا وينهى عنه، وذلك من علامة الساعة، أن يصير المعروف منكرًا والمنكر معروفًا.
إلى أن قال: وقال مالك في المدونة: إذا سلم فليقم ولا يقعد إلا أن يكون في سفر، أوفي فنائه) .