فالمبادئ هي الباقية، والأشخاص مهما كانت مكانتهم ذاهبون، وفقد الأشخاص وإن كانوا أمثال عمر وعليّ أهون من التعدي على المبادئ، والأصول، والثوابت.
فعندما قال أبولؤلؤة قبحه الله لعمر: لأصنعنَّ لك رحًا يتحدث عنها من بالمشرق ومن بالمغرب؛ قال عمر في الحال: لقد تهددني العلج؛ وكان من أصحاب الفِرَاسات التي لا تكذب، ومن أصحاب النبوءات التي لا تخطئ، لأنه كان من المحدَّثين الملهمين، كيف لا وقد نزل القرآن موافقًا لما قال في سبعة مواضع، وأيَّد تلك الفراسة رؤيا رآها، حيث رأى ديكًا أحمر نقره عدة نقرات، ومع ذلك لم يأمر باعتقاله، ولم يراقبه بالعيون، لأن الأمر لا يعدو الظن، وإن كان من عمر رضي الله عنه.
وما فعله عمر مع أبي لؤلؤة المجوسي فعله عليّ مع ابن مُلجم الخارجي.
روى ابن عبد البر في الاستيعاب في"معرفة الأصحاب"له في ترجمة عليّ بسنده عن ابن سيرين عن عبيدة قال:(كان علي رضي الله عنه إذا رأى ابن ملجم قال:
أريد حياته ويريد قتلي عَذِيرَكَ من خليلك من مراد
وكان علي رضي الله عنه كثيرًا ما يقول: ما يمنع أشقاها، أوما ينتظر أشقاها أن يخضب هذه من دم هذا؛ يقول: والله ليخضبن هذه من دم هذا - ويشير إلى لحيته ورأسه، خضاب دم لا خضاب عطر.
وذكر عمر بن شبَّة عن أبي عاصم النبيل وموسى بن إسماعيل عن سكين بن عبد العزيز العبدي أنه سمع أباه يقول: جاء عبد الرحمن بن ملجم يستحمل عليًا، فحمله ثم قال:
أريد حياته ويريد قتلي عَذِيرَكَ من خليلك من مراد
أما إن هذا قاتلي؛ قيل: ما يمنعك منه؟ قال: إنه لم يقتلني بعد.
وأتي عليّ رضي الله عنه فقيل له: إن ابن ملجم يسم سيفه، ويقول: إنه سيفتك بك فتكة يتحدث بها العرب؛ فبعث إليه: فقال له: لم تسم سيفك؟ قال: لعدوي وعدوك؛ فخلى عنه، وقال: ما قتلني بعد).
هكذا فإن عليًا فدى مبدأ عدم الأخذ بالظنة بنفسه الغالية، وبروحه الطاهرة، كما فعل عمر رضي الله عنهما.
أين حكامنا من هذا الإنصاف ومن هذا التجرد؟ أليس الجميع مخاطبًا بقوله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ"، وبقوله صلى الله عليه وسلم:"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث"؟
هذا لو كان ظنهم مثل ظن أولئك القوم، كيف وظنهم أقرب إلى الوهم والتخرصات، بل في بعض الأحيان يأخذون، ويعاقبون، ويسجنون، وربما يقتلون بظن لم يصدر ولم يخطر ببال المظنون به؟!
أليس الرب الذي يجتمع إليه هؤلاء وهؤلاء واحد؟ لماذا يغلِّبون سوء الظن؟ ولماذا يستعجلون الحكم على الناس؟ فقط لأنهم أقوياء؟ لماذا لا يتذكرون قوة الله عز وجل وجبروته، وأنه يمهل ولا يهمل، وأنه مجيب لدعوة المظلومين ولو بعد حين، وكل حين قريب.
سابعًا: الخوف والحذر من التفاف الشباب حول بعض المشايخ
من أكثر الأمور التي تخيف حكامنا اليوم، ويحذرون منها أشد الحذر، تجمع الشباب والتفافهم على بعض المشايخ، وحرصهم على حضور خطبهم، ودروسهم، وندواتهم، وهذا من الأسباب الرئيسة التي تجعلهم يشددون الرقابة، ويرصدون العيون على أولئك المشايخ، ومن ثم تجدهم يسعون وبشتى الطرق إلى إبعاد الشباب عنهم، وينفقون الأموال الطائلة على الوسائل التي تلهي الشباب عن ذلك، من ذلك الاهتمام بالرياضة، والفن، وإنشاء المسارح، والبرامج الترفيهية، وتغذية وسائل الإعلام المرئية بالأفلام"المدبلجة"، التي تحوي من الفساد العقدي، والفكري، والسلوكي، ما الله به عليم، وتنشر ثقافة وفكر الأقوام الكافرين.
ظنًا منهم أن تجمع الشباب حول المشايخ والدعاة فيه خطر على أنظمتهم كما يزين لهم ذلك أعداء الإسلام، من الكفار والمنافقين، من وزراء، ومستشارين، وغيرهم.
وما علم هؤلاء أن الفساد العقدي والأخلاقي خطره أشد، وضرره أكبر على تلك الأنظمة:"وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا"،"وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ".
ألم يعلم هؤلاء أن احتضان الأنظمة لأهل البدع والأهواء، ولأئمة الفسق والفجور من الممثلين، والفنانين، واللاعبين، وأن زيارة الأضرحة، وإقامة الحوليات التي يشارك فيها ويدعمها بعض المسؤولين، أخطر على أنظمتهم من أولئك الشباب الملتزم الملتف على بعض المشايخ؟
خوف الحكومات من التفاف قلة من الشباب حول بعض المشايخ أشد من خوفهم من انغماسهم في الخنا والفجور، بل من تعاطيهم للمخدرات والمسكرات.
الغلو والتشدد الذي تخافه الأنظمة ما الذي يولده، ويغذيه، وينميه؟
الفساد العقدي، والتسيب الخلقي هما من أكبر عوامل ظهور تلك البدعة، فالبدعة لا ينتج منها إلا بدعة.
حسب علمي ومعرفتي بكثير من المشايخ والدعاة أنهم أزهد الناس في الحكم، وإنما هدفهم الإصلاح، والعمل على إقامة شرع الله والتمكين له.