أ. قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه:"حرستُ ليلة مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالمدينة، إذ تبين لنا سراج في بيت بابه مجافٍ على قوم لهم أصوات مرتفعة ولَغَط، فقال عمر: هذا بيت ربيعة بن أمية بن خلف، وهم الآن شُرَّب، فما ترى؟! قلت: أرى أنا قد أتينا ما نهى الله عنه، قال الله تعالى:"وَلا تَجَسَّسُوا"، وقد تجسسنا، فخرج عمر وتركه."
ب. وقال أبو قِلابة: حُدِّث عمر بن الخطاب أن أبا مِحْجَن الثقفي يشرب الخمر مع أصحاب له في بيته، فانطلق عمر حتى دخل عليه، فإذا ليس عنده إلا رجل، فقال أبومِحْجَن: إن هذا لا يحل لك! قد نهاك الله عن التجسس؛ فخرج عمر وتركه.
ج. وقال زيد بن أسلم: خرج عمر وعبد الرحمن يَعُسَّان إذ تبينت لهما نار، فاستأذنا ففتح الباب، فإذا رجل وامرأة تغني، وعلى يد الرجل قدح، فقال عمر: وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: وأنت بهذا يا أمير المؤمنين! فقال عمر: من هذه منك؟ قال: امرأتي؛ قال: فما في هذا القدح؟ قال: ماء زلال؛ ثم قال الرجل: ما بهذا أمرنا يا أمير المؤمنين! قال الله تعالى:"وَلا تَجَسَّسُوا"؛ قال: صدقت.
د. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أتي برجل، فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا؛ فقال: إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به.
ه. وعن أبي الدرداء معلقًا على حديث معاوية السابق:"إنك إذا اتبعتَ عورات الناس أفسدتهم":"كلمة سمعها معاوية من رسول الله صلى الله عليه وسلم نفعه الله تعالى بها".
و. روى البخاري في صحيحه بسنده عن همام قال: كنا مع حذيفة، فقيل له: إن رجلًا يرفع الحديث إلى عثمان؛ فقال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:"لا يدخل الجنة قتات"، وفي رواية:"نمام".
قال الحافظ ابن حجر:(وقيل الفرق بين القتَّات والنمَّام أن النمام الذي يحضر القصة فينقلها، والقتات الذي يتسمع من حيث لا يُعلم به، ثم ينقل ما سمعه، إلى أن قال: قال الغزالي ما ملخصه: ينبغي لمن حملت له النميمة أن لا يصدق من نم له، ولا يظن بمن نم عنه ما نقل عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذكر له، وله أن ينهاه، ويقبح من فعله، وأن يبغضه إن لم ينزجر، وأن لا يرضى لنفسه ما نهى النمام عنه، فينم هو على النمام فيصير نمامًا.
قال النووي: وهذا كله إذا لم يكن في النقل مصلحة شرعية، وإلا فهي مستحبة، أوواجبة، كمن اطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصًا ظلمًا فحذره منه، وكذا من أخبر الإمام أومن له ولاية بسيرة نائبه مثلًا، فلا مانع من ذلك).
ز. قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لمزاحم مولاه:"إن الولاة جعلوا العيون على العوام، وأنا أجعلك عينًا على نفسي، فإن سمعت مني كلمة تربأ بي عنها، أوفعلًا لا تحبه، فعظني عنده وانهني عنه".
ح. قال عطاء بن السائب:"قدمت من مكة، فلقيني الشعبي فقال: يا أبا زيد أطرفنا مما سمعت؛ قلت: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط يقول: لا يسكن مكة سافك دم، ولا آكل ربا، ولا مشاءٌ بنميم؛ فعجبت منه حين عدل النميمة بسفك الدماء وأكل الربا، فقال الشعبي: وما يعجبك من هذا؟ فهل تسفك الدماء وتركب العظائم إلا بالنميمة؟".
ط. عاتب مصعب بن الزبير الأحنف بن قيس على شيء بلغه عنه، فاعتذر إليه الأحنف من ذلك ودفعه، فقال مصعب: أخبرني بذلك الثقة؛ فقال الأحنف: كلا أيها الأمير، الثقة لا يبلغ.
ي. وذكِرَ السعاةُ عند المأمون، فقال رجل ممن حضر: يا أمير المؤمنين لو لم يكن من عيبهم إلا أنهم أصدق ما يكونون، أبغض ما يكونون إلى الله، لكفاهم.
ك. أتى رجل الوليد بن عبد الملك وهو على دمشق لأبيه، فقال للأمير: عندي نصيحة، فقال: إن كانت لنا فأظهرها، وإن كانت لغيرنا فلا حاجة لنا فيها؛ قال: جار لي عصى وفر من بعثه؛ قال: أما أنت فتخبر أنك جار سوء، فإن شئت أرسلنا معك، فإن كنت صادقًا أقصيناك، وإن كنت كاذبًا عاقبناك، وإن شئتَ تركناك؛ قال: بل تتركني.
ل. وسأل رجل عبد الملك بن مروان الخلوة، فقال لأصحابه: إذا شئتم تنحوا؛ فلما تهيأ الرجل للكلام قال له: إياك أن تمدحني فإني أعرف بنفسي منك، أوتكذبني فإنه لا رأي لكذوب، أوتسعى بأحد إليَّ، وإن شئت أن أقيلك أقلتك؛ قال: أقلني.
م. وقال ذو الرياستين: قبول السعاية شر من السعاية، لأن السعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز، فامقت الساعي على سعايته، وإن كان صادقًا للأمة في هتك العورة، وإضاعة الحرمة، وعاقبه إن كان كاذبًا لجمعه بين هتك العورة، وإضاعة الحرمة، مبارزة لله بقول البهتان والزور.
سادسًا: عدم الأخذ بالظنة
صدق من قال: كم خسر العالم بمقتل عمر، ولكنه كم ربح بإرساء قاعدة من القواعد الجليلة، وتمكين مبدأ من المبادئ العظيمة، وهو عدم الأخذ بالظنة.
وكذلك نقول: كم خسر العالم الإسلامي أيضًا بقتل أمير المؤمنين علي رضي الله عنه على يد المجرم الأثيم، عبد الرحمن بن مُلجِم، ولكن كم ربح بعدم الأخذ بالظنة.