فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 1363

قال أبو حازم: دعاء المُحْسَن إليه إلى المُحْسِن.

قال: فأي الصدقة أفضل؟

قال: للسائل البائس، وجهد المقل، ليس فيها مَنٌّ ولا أذى.

قال: فأي القول أعدل.

قال: قول الحق عند من تخافه وترجوه.

قال: أي المؤمنين أكيس؟

قال: رجل عمل بطاعة الله، ودل الناس عليها.

قال: فأي المؤمنين أحمق؟

قال: رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره.

قال سليمان: أصبتَ، فما تقول فيما نحن فيه؟

قال: يا أمير المؤمنين، أوتعفني؟

قال له سليمان: لا، ولكن نصيحة تلقيها إليَّ.

قال: يا أمير المؤمنين، إن آباءك قهروا الناس بالسيف، وأخذوا هذا الملك عَنْوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضًا لهم، حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة، فقد ارتحلوا عنها، فلو شعرتَ ما قالوه، وما قيل لهم؟

فقال له رجل من جلسائه: بئس ما قلت يا أبا حازم.

قال أبو حازم: كذبتَ، إنما أهلك فرعونَ هامانُ، وهامانَ فرعونُ، إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه.

قال له سليمان: كيف لنا أن نصلح؟

قال: تَدَعون الصلف، وتمسكون بالمروءة، وتقسمون بالسوية.

قال له سليمان: كيف لنا بالمأخذ منه؟

قال أبو حازم: تأخذه من حله، وتضعه في أهله.

قال له سليمان: هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا، فتصيب منا ونصيب منك؟

قال أبو حازم: أعوذ بالله.

قال سليمان: ولِمَ ذاك؟

قال: أخشى أن أركن إليكم شيئًا قليلًا، فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات.

قال له سليمان: ارفع لنا حوائجك؟

قال: تنجيني من النار وتدخلني الجنة.

قال سليمان: ليس ذلك إليَّ.

قال أبو حازم: فما لي إليك حاجة غيرها.

قال: فادع لي.

قال أبو حازم: اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخيري الدنيا والآخرة، وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى.

قال له سليمان: عظ.

قال أبو حازم: قد أوجزتُ، وأكثرتُ، إن كنت من أهله، وإن لم تكن من أهله فما ينفعني أن أرمي عن قوس ليس لها وتر.

قال له سليمان: أوصني.

قال: سأوصيك وأوجز، عظِّم ربك، ونزِّهه أن يراك حيث نهاك، أويفقدك حيث أمرك.

فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار، وكتب إليه: أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير.

فردها عليه، وكتب إليه: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلًا، أوردي عليك بذلًا، وما أرضاها لك، فكيف أرضاها لنفسي؟!

وكتب إليه أن موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليها رعاء يسقون، ووجد من دونهم جاريتان تذودان، فسألهما، فقالتا:"لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ"، وذلك أنه كان جائعًا خائفًا، لا يأمن، فسأل ربه ولم يسأل الناس، فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان، فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة، وبقوله، فقال أبوهما شعيب: هذا رجل جائع، فقال لإحداهما: اذهبي فادعيه؛ فلما أتته عظمته وغطت وجهها، وقالت:"إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا"، ولم يجد بدًا من أن يتبعها إنه كان ما بين الجبال جائعًا مستوحشًا، فلما تبعها هبت الريح فجعلت تصفق على ظهرها، وجعل موسى يعرض مرة ويغض أخرى، فلما عيل صبره ناداها: يا أمة الله، كوني خلفي وأريني السمت بقولك ذا.

فلما دخل على شعيب فإذا هو بالعشاء مهيأ، فقال له شعيب: اجلس يا شاب فتعش؛ فقال له موسى: أعوذ بالله؛ فقال له شعيب: لِمَ؟ أما أنت جائع؟ قال: بلى، ولكني أخاف أن يكون هذا عوضًا لما سقيت لهما، وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئًا من ديننا بملئ الأرض ذهبًا؛ فقال له شعيب: لا يا شاب فإنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام؛ فجلس موسى فأكل.

فإن كانت هذه المائة دينار عوضًا لما حدثتُ فالميتة، والدم، ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه، فإن كانت لحق في بيت المال فلي فيها نظراء، فإن ساويت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة).

قلت: إن كان الحكام أمثال سليمان والعلماء أمثال أبي حازم جاز الدخول، ومع هذا أبى أبو حازم الدخول ونيل الجوائز منهم.

خامسًا: عدم تتبع عورات الناس عامة، والجِلَّة من العلماء خاصة

كان مسلك السلف الصالح على عكس ما نراه من مسلك حكام اليوم في هذا الجانب على وجه الخصوص، فكانوا حريصين كل الحرص على عدم تتبع عورات الناس والتجسس عليهم، والاجتهاد في تجريمهم وتلبيس التهم لهم، وقد ابتكرت أجهزة الاستخبارات في ذلك كل ما من شأنه أن يوصلهم إلى أغراضهم، مهما كانت الوسيلة محرمة أوغير محرمة، منافية للمروءة والأعراف أم لا، فالغاية في نظرهم مشروعة مبررة لاتخاذ أي وسيلة.

يدل على ذلك ما يأتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت