روى ابن الجوزي في سيرة عمر بن عبد العزيز له أن أحد عمال عمر كتب إليه قائلًا: (بلغني أن ناسًا من الحرورية جمعوا بناحية الموصل، فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز أعلمه بذلك، فكتب إليَّ يأمرني أن أرسل إليه منهم رجالًا من أهل الجدل وأعطهم رهنًا، وخذ منهم رهنًا، واحملهم على مراكب البريد إليَّ، ففعلت ذلك، فقدموا عليه فلم يدع لهم حجة إلا كسرها، فقالوا: لسنا نجيبك حتى تكفر أهل بيتك وتلعنهم وتتبرأ منهم؛ فقال عمر: إن الله لم يجعلني لعانًا، ولكن إن أبقى أنا وأنتم فسوف أحملكم وإياهم على المحجة البيضاء؛ فأبوا أن يقبلوا ذلك منه، فقال لهم عمر: إنه لا يسعكم في دينكم إلا الصدق، منذ كم دنتم الله بهذا الدين؟ قالوا: منذ كذا وكذا سنة؛ قال: فهل لعنتم فرعون وتبرأتم منه؟ قالوا: لا؛ قال: فكيف وسعكم تركه؟ ألا يسعني ترك أهل بيتي، وقد كان فيهم المحسن والمسيء، والمصيب والمخطئ؟! قالوا: قد بلغنا ما هاهنا؛ فكتب إليَّ عمر: أن خذ من في أيديهم من رهنك - يعني ودع من في يدك من رهنهم - وإن كان رأى القوم أن يسيحوا في البلاد على غير فساد على أهل الذمة ولا تناول أحد من الأمة فليذهبوا حيث شاءوا، وإن هم تناولوا أحدًا من المسلمين وأهل الذمة فحاكمهم إلى الله.
ب. عندما تجمع الخوارج لقتل عليّ رضي الله عنه والخروج عليه كان يُخْبَر بذلك حتى يداهمهم ويقضي عليهم في أول الأمر، فكان يقول: دعوهم حتى يخرجوا؛ فلم يبادرهم بالقتال حتى قتلوا رسوله وشرعوا في قتال المسلمين.
ج. عندما سئل علي رضي الله عنه عن الخوارج ماذا قال عنهم؟ حيث قالوا له: هل هم كفار؟ قال: بل من الكفر فروا؛ فقالوا: هل هم منافقون؟ قال: لا، المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلًا؛ فقالوا: من هم؟ فقال: إخواننا بالأمس بغوا علينا اليوم.
د. وكان هارون الرشيد يسعى ويحرص على الاجتماع بسفيان الثوري على الرغم من علمه برأيه فيه، وكان سفيان يتأبى عليه، ويختفي منه.
أين حكامنا من هذا السلوك القويم، ومن هذا العدل والإنصاف للمخالف، بل للخارج المحارب الذي شهر السلاح وبدأ بالقتال؟!
نرى حكامنا اليوم هدانا الله وإياهم يدنون العلمانيين ويثقون بهم، وينفرون من إخوانهم في الدين، نراهم يمدون الجسور ويصبرون على محاورة الكفار والمنافقين، وتضيق صدورهم من مجرد وجود هؤلاء الأخيار فقط لأنهم ينصحون وينبهون على بعض المخالفات الشرعية.
ما الذي يجعل حكامنا اليوم يصلون أهل البدع الكفرية، المجاهرين ببدعهم، الداعين لها، ويقطعون بعض إخوانهم من أهل السنة لبعض الوشايات والظنون الفاسدة والتقارير الكاذبة؟
أيُّ الفريقين أولى بالصبر عليه، وباحتمال جفائه، وقد مدح الله أولياءه بأنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين؟!
سبب ذلك كله بعض وزراء السوء والبطانة الفاسدة، والتقارير التي مبناها على الفروض والظنون والتخمين، التي أوغرت الصدور، وساءت بسببها الظنون.
رابعًا: خير الأمراء أقربهم إلى العلماء، وشر العلماء أقربهم إلى الأمراء
كان حكام السلف حريصين على الاقتراب من العلماء، بل كان القراء وهم العلماء، شيوخًا وشبابًا، أصحاب مشورة عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز عندما كان أميرًا على المدينة، وبعد أن ولي الخلافة.
وقد وصى عبد الملك بن مروان الحجاج عندما كان عامله على الحجاز أن لا يخالف لابن عمر أمرًا، وكان أبوجعفر المنصور، والرشيد، وغيرهما من الحكام العدول يحرصون على زيارة العلماء بالمدينة، أمثال مالك، وابن أبي ذئب، وغيرهما.
ونكتفي بمثال واحد لأن المجال لا يتسع لأكثر من ذلك:
(كان أول طلب لسليمان بن عبد الملك وأول سؤال له بعد أن قدم المدينة يريد الحج: هل بالمدينة أحد أدرك أحدًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا له: أبوحازم؛ فأرسل إليه، فلما دخل عليه قال له: يا أبا حازم، ما هذا الجفاء؟ قال أبو حازم: يا أمير المؤمنين، وأي جفاء رأيتَ مني؟ قال: أتاني وجوه أهل المدينة ولم تأتني.
قال: يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما عرفتني قبل هذا اليوم، ولا أنا رأيتك؛ فالتفت سليمان إلى محمد بن شهاب الزهري، فقال له: أصاب الشيخُ وأخطأتُ.
قال سليمان: يا أبا حازم، مالنا نكره الموت؟
قال: لأنكم أخربتم الآخرة، وعمرتم الدنيا، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب.
قال: أصبتَ، يا أبا حازم، فكيف القدوم غدًا على الله؟
قال: أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه.
فبكى سليمان، وقال: ليت شعري، مالنا عند الله؟
قال: اعرض عملك على كتاب الله.
قال: وأي مكان أجده؟
قال: إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم.
فقال سليمان: فأين رحمة الله يا أبا حازم؟
فقال: رحمة الله قريب من المحسنين.
قال سليمان: فأي عباد الله أكرم؟
قال: أولو المروءة والنهى.
قال له سليمان: فأي الأعمال أفضل؟
قال أبو حازم: أداء الفرائض مع اجتناب المحارم.
قال سليمان: فأي الدعاء أسمع؟