عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يُبَلِّغُني أحد من أصحابي عن أحد شيئًا، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر".
لذات السبب قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله لجلسائه وخاصته كما روى الإمام الأوزاعي عنه:"من صحبني فليصحبني بخمس خصال: يدلني من العدل إلى ما لا أهتدي له، ويكون لي على الخير عونًا، ويبلغني حاجة من لا يستطيع إبلاغها، ولا يغتاب عندي أحدًا، ويؤدي الأمانة التي بيني وبين الناس، فإذا كان ذلك فحيهلا، وإلا فقد خرج عن صحبتي والدخول عليَّ".
أما الآن فإن التقارير، بحق وباطل، ترفع عمن يتوهمون منه ريبة من العلماء، والدعاة، وأئمة المساجد، بطريقة دورية إلى ولاة الأمر، مما يوغر صدورهم، ويزرع الحقد في قلوبهم نحو إخوانهم الأخيار، بل أنشئت أقسام خاصة في أجهزة الاستخبارات للتجسس ومتابعة عورات هؤلاء، ويعينون فيها أناسًا بأوصاف مخصوصة، ويجتهدون في اختراق بعض مرتادي مساجدهم، ودروسهم، ومحاضراتهم، وفي ذلك من الفساد، والإفساد، وتتبع العورات ما الله به عليم، وما نهى عن الرسول الكريم.
بل يعتقد بعض رجال الاستخبارات - إذ ليسوا كلهم سواء - أن خطر هؤلاء المتدينين أشد من خطر الكفار والمنافقين على الأنظمة الحاكمة، بسبب ما يهولون ويضخمون من خطرهم، ويؤولون من أقوالهم وتصرفاتهم، مما لم يخطر ببال أحد منهم، فقط لانتقادهم لبعض المخالفات الشرعية.
ثانيًا: معاملة المخالفين لهم
كان حكام السلف يتحملون المخالفين ويصبرون عليهم، ولا يضيقون بهم أبدًا، ولا يتسبب هذا الخلاف في حرمانهم من أي حق من حقوقهم التي شرعها لهم الإسلام وبينها رسوله.
فحمل الحاكم الرعية على ما يراه، وكذلك رئيس الجماعة أوالحزب، من سمات الطغاة والمتكبرين، وأسوتهم في ذلك الطاغية الجبار فرعون لعنه الله عندما قال:"مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ".
وإليك نماذج من تلك المعاملات:
أ. ذو الخويصرة التميمي يعترض على قسمة رسول الله صلى الله عليه وسلم
ذو الخويصرة التميمي، ذلك الأعرابي الجلف يعترض، وعلى من؟ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الغنائم، حيث قال له: اتق الله؛ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ويلك، أولستُ أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟!"، ثم أردف بعد ذلك محذرًا منه:"إنه يخرج من ضئضئي هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية"، يعني الخوارج.
ومعلوم أن الاعتراض على رسول الله صلى الله عليه وسلم والرد لما يقول كفر:"فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْيُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"، وقد أول الإمام أحمد الفتنة بالشرك.
ومع ذلك كله لم يراقبه ويتجسس عليه، ولم يعتقله، ولم يحرمه من حق من الحقوق.
ب. أبو ذر الغفاري رضي الله عنه يخالف معاوية وعثمان في تأويل"الكنز"
ذهب العامة من أهل العلم وهو الحق إلى أن المراد بالكنز في قوله تعالى:"وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ"، هو المال الذي لم تؤد زكاته، أما ما أديت زكاته فليس بكنز مهما بلغ، وإلى هذا ذهب شيخ الصحابة في عصره عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
وذهب أبو ذر إلى أن الكنز هو ما زاد على حاجة الإنسان اليومية، ولهذا كان كثيرًا ما يعترض على معاوية رضي الله عنه عندما كان عاملًا على الشام من قِبَل عثمان رضي الله عنه، فكتب بذلك إلى عثمان: إن كان لك حاجة في الشام فخذ إليك أبا ذر.
فكتب إليه عثمان أن احضر إلى المدينة، فحضر، فناظره في ذلك فثبت على ما يعتقده، فتركه، ولم يضيق عليه، ولم يثرب عليه، ولم يتتبعه، حتى استأذن عثمانَ رضي الله عنه أن يخرج إلى الربذة، فأذن له عثمان، لا كما يدعي بعض من لا خلاق له، من سفهاء الأدباء والمؤرخين، أن عثمان نفاه، بل كان خروجه إلى الربذة بمحض اختياره، وكان عثمان يجله ويقدره لعلمه بصدقه.
ولذات السبب نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ذر أن يتأمر على اثنين، أوأن يتولى مال يتيم.
ج. كان ابن مسعود يخالف عمر رضي الله عنهما في أكثر من مائة مسألة
ومع ذلك كان عمر يثني عليه ويقول:"كُنَيف ملئ علمًا"، وكان ابن مسعود يثني على عمر ويمدحه، وعدَّ موته ثلمة في الدين.
ثالثًا: معاملتهم للخارجين عليهم الحاملين للسلاح
كانت معاملة حكام السلف للخارجين الحاملين للسلاح دعك عن المخالفات في الرأي معاملة كريمة تجلى فيها عدلهم وإنصافهم، ويمثل ذلك ما يأتي.
أ. مناظرتهم لهم بالحسنى، فقد ناظرهم علي، وناظرهم ابن عباس، ورجع منهم أكثر من ألفين، وناظرهم عبد الله بن الزبير في إمارته على الحجاز، وناظرهم عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد الخامس.