رابعًا: خير الأمراء أقربهم إلى العلماء، وشر العلماء أقربهم إلى الأمراء
خامسًا: عدم تتبع عورات الناس عامة، والجِلَّة من العلماء خاصة
سادسًا: عدم الأخذ بالظنة
سابعًا: الخوف والحذر من التفاف الشباب حول بعض المشايخ
ثامنًا: التجسس لا يكون إلا على أعداء الدين من الكفار والمنافقين، والمفسدين في الأرض
تاسعًا: من ليس معنا فهو ضدنا
عاشرًا: الضيق والخوف من النقد
المراقب لحال الدول اليوم يجد أن لأجهزة الاستخبارات نصيب الأسد في تسيير الأمور فيها، وفي توجيه سياستها، وخططها، واستراتيجيتها، لا فرق في ذلك بين الدول المسلمة والكافرة، حيث أضحى حكام المسلمين يقلدون الكفار ويتشبهون بهم إن رغبًا أورهبًا في كثير من الأمور، ويبذلون في ذلك من المال العام ما الله به عليم.
لا شك أنه يجوز للدولة المسلمة أن تعمل لحماية دينها، ومقدساتها، وأمنها القومي، وأمن رعاياها، والحفاظ عليهم مما يخرب العقائد، ويفسد الأخلاق والسلوك، وأن تتخذ من العيون ما يمكنها من ذلك حسب الضوابط الشرعية التي بينها صاحب الشريعة.
ولا شك كذلك أن للمسلم على أخيه المسلم حاكمًا كان أومحكومًا حقوقًا، وعليه واجبات لابد من رعايتها، من تلك الحقوق حرمة دينه، وعرضه، وماله على كل مسلم:"كل المسلم على المسلم حرام؛ ماله، وعرضه، ودمه".
ومنها كذلك عدم الأخذ بالظنة، والتجسس على مستوري الحال عامة، وأهل العلم والفضل والصلاح خاصة، وعليهم أن يتأسوا بذلك ويقتدوا برسولهم، وخلفائه الراشدين، والأئمة المهديين الذين اقتفوا آثارهم، بدلًا من تقليدهم للكفرة، والسفلة، والمنافقين.
لقد رسم الإسلام لولاة أمر المسلمين خطة لو ساروا عليها في رعاياهم وألزموا أنفسهم بها لسعدوا وسعدت رعيتهم، وكانوا من خيار الأئمة:"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم".
من ذلك نهي الإسلام أتباعه عن سوء الظن، والتجسس على الصالحين والمستورين، وتتبع عوراتهم، والبحث والتفتيش عن زلاتهم، وهذا النهي يتناول ولاة أمر المسلمين قبل عامتهم.
قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا"، وقال:"لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا"، وقال:"وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنتُمْ قَوْمًا بُورًا".
وقال صلى الله عليه وسلم:"إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسَّسوا، ولا تجسَّسوا، ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا".
وعن معاوية رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إنك إن اتبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أوكدت أن تفسدهم".
وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم".
وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه أوتي برجل فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا؛ فقال:"إنا قد نهينا عن التجسس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به".
وقال صلى الله عليه وسلم:"إذا ظننتَ فلا تحقق، وإذا حسدتَ فلا تبغ، وإذا تطيرتَ فامض".
وعن أبي برزة الأسلمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمانُ قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإن من اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه في بيته".
وروي عنه:"إن الله حرَّم على المسلم دمه، وعرضه، وأن يظن به ظن السوء".
الظن المنهي عنه
الظن الذي نهت عنه الآية وحذر منه رسولنا صلى الله عليه وسلم، هو التهمة التي لا سبب لها يوجبها.
قال القرطبي رحمه الله مميزًا الظن الذي يجب اجتنابه: (والذي يميز الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها أن كل ما لم تعرف له إمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حرامًا واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة محرم، بخلاف من اشتهره الناس يتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث) .
الأخذ بالظاهر وعدم تتبع العورات
المراد من قوله تعالى:"وَلا تَجَسَّسُوا.."الآية، الأخذ بما ظهر، والنهي والتحذير عن تتبع عورات الناس، سيما مستوري الحال، وأصحاب الهيئات من العلماء والصالحين.
قال القرطبي رحمه الله: (ومعنى الآية: خذوا ما ظهر، ولا تتبعوا عورات المسلمين، أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه حتى يطلع عليه بعد أن ستره الله) .
والجاسوس صاحب سر الشر، والناموس وهو الملك صاحب سر الخير، كما قال أهل اللغة.
مقارنة بين ما كان عليه حكام السلف والحكام الحاضرين في هذا الشأن
أولًا: النهي عن التبليغ عما يوغر الصدور
كان صالحو الحكام ينهون أن ترفع لهم أحاديث الناس، لتسلم صدورهم.