فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 1363

وفي اعتقادي أن خطر العلمانيين - المنافقين - على هذه الأنظمة أشد من خطر العلماء والدعاة.

ومن العجيب الغريب إنكار البعض على بعض الدعاة حرصهم على الحكم، أما حرص غيرهم من العلمانيين المنافقين فلا حرج عليه، ويحتجون على ذلك بأن الإسلام ليس فيه نظام للحكم، وإنما مثل النصرانية تمامًا متعلق بالآخرة.

لماذا لم يخف ولاة أمر المسلمين من السلف من تجمع والتفاف الشباب وغيرهم على المشايخ والعلماء؟ ولماذا لم يكن ذلك سببًا لعداوتهم لأولئك المشايخ الذين استطاعوا أن يجذبوا إليهم الشباب، حتى كانت لهم مواكب في المواسم وغيرها تضاهي مواكب ولاة الأمر؟

كان لابن عباس رضي الله عنهما موكب في الموسم يقارب أويفوق موكب معاوية رضي الله عنه.

وأطلت زبيدة رحمها الله من النافذة على موكب عظيم، فقالت: مع من هذا الموكب؟ فقالوا: مع سفيان الثوري - أمير المؤمنين في الحديث؛ فقالت: والله هذا هو الملك، لا ملك الرشيد بالشُّرَط ونحوهم.

وكان لكثير من العلماء أعداد كبيرة من طلاب العلم ومن المشيعين لهم، إذا خرجوا أودخلوا، ولم يثر ذلك كله حفيظة الحكام نحوهم، ولم تأخذهم الغيرة والحسد، وما كانوا يخافون أن يكون خلف ذلك مؤامرات لسحب البساط من تحت أقدامهم.

ثامنًا: التجسس لا يكون إلا على أعداء الدين من الكفار والمنافقين، وإلا على المفسدين في الأرض

السنة أن يجعل الحاكم المسلم العيون على الكفار، والمنافقين، والمبتدعين، والمفسدين في الأرض، وألا يسلط ذلك على الأخيار ويدع الفجار.

بل لقد بلغت الحال أن يتجسس بعض المسلمين على إخوانهم المسلمين لصالح الكافرين، وأن ينسقوا معهم ويتعاونوا فيما بينهم، ويقاتلوا تحت رايتهم، ويحكموا نيابة عنهم، وهذا من نواقض الإسلام البينة، مهما كان المسوغ والمبرر الذي يرفعه القائمون بذلك.

لقد طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من نُعيم بن مسعود، وقد كان حديث عهد بالإسلام، أن يذهب ويخذِّل المشركين، وأن يوقع بينهم وبين حلفائهم من اليهود.

قال عنه ابن عبد البر في"الاستيعاب": (وهو الذي خذَّل المشركين وبني قريظة حتى صرف الله المشركين بعد أن أرسل عليهم ريحًا وجنودًا لم يروها، خبره في تخذيل بني قريظة والمشركين في السير خبر عجيب، وقيل إنه الذي نزلت فيه:"الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ"، يعني نُعيم بن مسعود وحده) .

قال الحافظ ابن حجر معلقًا على ترجمة البخاري"باب ما يكره من النميمة": (كأنه أشار بهذه الترجمة إلى بعض القول المنقول على جهة الإفساد يجوز إذا كان المقول فيه كافرًا مثلًا، كما يجوز التجسس في بلاد الكفار ونقل ما يضرهم) .

أضحى هم بعض رجال الاستخبارات في كثير من البلاد الإسلامية مراقبة الشباب الملتزمين بدينهم، المحافظين على صلاة الجماعة في المساجد، المتمسكين بالمظاهر الإسلامية، حتى أضحى صلاة الشاب الصبح في المسجد يومين على التوالي من الجرائم العظيمة، مع إعطاء الحرية الكاملة للشباب الضائع، المشغول بالفواحش والخنا، المتعلق قلبه بالمسارح والأندية الليلية، الحريص على قضاء العطل في مواخير أوربا وبين مومساتها وخماراتها.

تاسعًا: من ليس معنا فهو ضدنا

ابتلي كثير من المسلمين سيما المنتسبون للجماعات والأحزاب، إسلامية كانت أم علمانية، بقصر النظر، وضيق الأفق، بحيث أصبحوا يحكمون على كل من ليس معهم فهو ضدهم، خاصة لو كان معهم ثم تخلى عنهم لجماعة أخرى، أوفضَّل أن يعمل لحاله، وصُنِّف من المعادين، وضيِّق عليه أيما تضييق، وحُرم من كثير من الحقوق التي منحها إياه الإسلام، أوالنظام والقانون العام، بينما نجد الإسلام جعل حقوق الأخوة الإيمانية لكل من يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وكان مقرًا بكل ما جاء به الحبيب المصطفى، لا يمنعه عدم ولاؤه للحاكم أوللحزب المنتمي له الحاكم من حق، ولا يلزمه بواجب، سوى ما أوجبه الشارع على الرعية نحو ولاة أمرها.

هذا السلوك الذي ساد مجتمعات المسلمين الآن مغاير ومخالف لما كان عليه سلفهم الصالح.

عندما بويع لعلي رضي الله عنه بالخلافة بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، وكان أحق بها وأهلها، ودخل العامة في بيعته، تأخر نفر عن مبايعته البيعة الخاصة في أول الأمر، فلم يثرب عليهم، ولم يعنف، ولم يعاقب، بل تركهم، وعندما سئل عنهم قال حقًا وصدقًا.

قال الحافظ ابن عبد البر:(بويع لعليّ رضي الله عنه بالخلافة يوم قتل عثمان رضي الله عنه، واجتمع على بيعته المهاجرون والأنصار، وتخلف عن بيعته منهم نفر، فلم يهجهم، ولم يكرههم، وسئل عنهم فقال: أولئك قوم قعدوا عن الحق، ولم يقوموا مع الباطل.

وفي رواية أخرى: أولئك قوم خذلوا الحق، ولم ينصروا الباطل).

وما فعله علي مع من لم يبايعه سلكه أبو بكر رضي الله عنه من قبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت