فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 1363

أن لا يعتقد أن القوانين الوضعية أحسن من شرع محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه اعتقد أنهما سواء، وهذا كذلك كافر كفرًا ناقلًا عن الملة، ولسان حال هؤلاء ما قاله التتار:"رجلان عظيمان: محمد وجنكيز خان".

الرابعة

أن لا يعتقد أن القوانين الوضعية أفضل، ولا مماثلة ومساوية لشرع الله، ولكن اعتقد جواز الحكم بها، ونبذ شرع الله وراءه ظهريًا، وهذا لا شك كافر كفرًا مخرجًا من الملة.

الخامسة

وهو أن يضع دستورًا وقوانين، في كل المجالات أم مجالات معينة، على غرار دساتير وقوانين الكفار، ويلزم القضاة أن يحكموا بها، مستبدلًا الذي هو أدنى بالذي هو خير، وهذه الحالة هي السائدة في جل بلاد الإسلام، وكفر صاحبها مضاهٍ لكفر من سبقه.

السادسة

التحاكم إلى الموروث عن الآباء والأجداد والمشايخ، من الأعراف والعادات والتقاليد، لقد نعى الله على هؤلاء قولهم:"إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ".

وهؤلاء لا شك في كفرهم كذلك، وأنه كفر ناقل عن الملة كالحالات السابقة.

حالتان لا يكون كفر الحاكم فيهما كفرًا أكبر

هنالك حالتان فقط من هذه الحالات الثمانية يكون كفر الحاكم بغير ما أنزل الله فيهما كفرًا أصغر لا ينقل عن الملة، وهو أكبر من الكبائر لتسمية الله له بالكفر، وهما:

الحالة الأولى

أن تحمله شهوته وهواه في قضية معينة أن لا يحكم فيها بحكم الله، مع يقينه أن حكم الله هو الحق، وأنه مخطئ فيما ذهب إليه، ويرجو التوبة والمغفرة.

الحالة الثانية

أن يجتهد الحاكم أوالقاضي في الحكم في قضية من القضايا، ولكنه لا يوفق إلى الوصول إلى الحق، لقوله صلى الله عليه وسلم:"إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر"، أوكما قال صلى الله عليه وسلم.

وهاتان الحالتان هما اللتان ينطبق عليهما قول ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى:"وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ"، قال:"كفر دون كفر".

وقوله أيضًا:"ليس بالكفر الذي تذهبون إليه".

قلت: قول ابن عباس هذا لا ينطبق إلا على الدول التي تتحاكم إلى شرع الله، أما جل الدول التي نبذت كتاب الله وراءها ظهريًا، وذلك بعد سقوط الدولة العثمانية في 1925م، وتقسيمها إلى دويلات، وحكمها بدساتير على غرار ما عند الكفار، فلا ينطبق عليها قول ابن عباس أبدًا.

شبهة أن الحاكم الذي يحكم بغير ما أنزل الله لا يكفر إلا إذا استحل ذلك بقلبه، ودحضها

من الشبه الداحضة الباطلة زعم البعض أن الحاكم الذي نبذ كتاب الله وسنة رسوله وراءه ظهريًا، وحكَّم القوانين الوضعية لا يكفر إلا إذا استحل ذلك بقلبه، حيث علقوا كفر من هذه صفته بمستحيل، لأن السرائر والقلوب لا يعلم ما فيها إلا علام الغيوب، وهذه الشبهة تناقض قاعدة من قواعد مذهب أهل السنة والجماعة، وهي أن نحكم على الناس بما ظهر منهم، وندع علم سرائرهم لخالقهم.

ولهذا أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عمار بن ياسر رضي الله عنه قتله ذلك الرجل بعد أن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، عندما قال له: إنما قالها ليدفع عن نفسه القتل؛ قال له:"هل شققت قلبه؟"، إذ كان يجب عليه أن يحكم عليه بما ظهر منه، ولو كان قالها نفاقًا.

ولذات السبب حكم الله على فرعون وملئه بالكفر لما قاموا وحكموا به من الأعمال الكفرية، مع قوله سبحانه وتعالى:"وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ"، فبينت هذه الآية استيقانهم داخليًا بما جاء به موسى، ولكن لما جحدوا في الظاهر بلسان الحال والمقال، كما يجحد البعض الحكم بشرع الله بلسان الحال الذي لا يقل دلالة عن لسان المقال، ومعلوم أن هذه الأمة فيها الزنادقة والمنافقون الذين يظهرون ما لا يبطنون، ويقولون ما لا يعتقدون.

نقول لهؤلاء: ماذا تقولون في رجل وضع المصحف على الأرض - لا قدر الله - وداسه برجله، وعندما سألناه قال: أنا أجل كتاب الله؛ وكان عاقلًا، بالغًا، مختارًا غير مكره، هل يرفع عنه ذلك الكفر وإقامة الحد؟!

وفي رجل يطوف بقبر، ويدعو ويستغيث بصاحب هذا القبر، وعندما سئل قال: أعلم أن الله هو قاضي الحاجات، ولكن هذه وسيلتي إليه، ولا أزال أفعل ذلك ولا أتركه أبدًا؛ هل زعمه هذا يرفع عنه الكفر والشرك؟

مما يدل على أن هذه الشبه من تأثير الفكر الإرجائي، وأنها لا علاقة لها البتة بعقيدة أهل السنة والجماعة، أنه لم يشترط ذلك أحد من أهل السنة المقتدى بهم، من أمثال العلماء الأجلاء نحو ابن حزم، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير، وابن الوزير، والألوسي، والشوكاني، والسعدي، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ، وأحمد ومحمود محمد شاكر، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، وسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، وغيرهم كثير من المتقدمين والمحدثين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت