وأما كتابة سورة أوآيات من القرآن في لوح، أوطبق، أوقرطاس، وغسله بماء، أوزعفران، أوغيرهما، وشرب تلك الغسلة رجاء البركة، أواستفادة علم، أوكسب مال، أوصحة، أوعافية، ونحو ذلك، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فعله لنفسه أوغيره، ولا أنه أذن فيه لأحد من أصحابه، أورخَّص فيه لأمته، مع وجود الدواعي التي تدعو إلى ذلك، ولم يثبت في أثر صحيح فيما علمنا عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم أنه فعل ذلك أورخص فيه، وعلى هذا فالأولى تركه، وأن يستغني عنه بما ثبت في الشريعة من الرقية بالقرآن وأسماء الله الحسنى، وما صح من الأذكار والأدعية النبوية ونحوها، مما يعرف معناه، ولا شائبة للشرك فيه، وليتقرب إلى الله بما شرع، رجاء التوبة، وأن يفرج الله كربته، ويكشف غمته، ويرزقه العلم النافع، ففي ذلك الكفاية، ومن استغنى بما شرع الله أغناه الله عما سواه، وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم).
متى يجوز أخذ الأجرة على الرقية
يجوزأخذ الأجرة على الرقية، وإن كان احتسابها على الله أفضل وأنفع للراقي والمسترقي، إذا توفرت فيها هذه الشروط:
1.أن تكون رقية شرعية، وهي التي تتوفر فيها الشروط الآنفة الذكر.
2.أن يصح الانتفاع بها والشفاء بعدها.
3.أن لا يبالغ في الأجرة ويستغل حاجة المرضى، فتشمله حرمة بيع المضطر، وليس في مبالغة أبي سعيد في الأجرة دليل لأحد في المبالغة، لأن أبا سعيد غضب من أهل ذلك الوادي لعدم إقرائهم لهم مع حاجتهم الماسة للإقراء، ولو أقرَوْهم لما أخذ منهم شاة واحدة دعك عن مائة شاة، فإنه أراد أن يعزرهم ويؤدبهم على سوء صنيعهم معهم.
وقد تعجبت كثيرًا عندما علمت أن بعض الراقين يطلب في الجلسة الواحدة مائة ألف من الجنيهات، اقتداء بالجشعين من الأطباء الذين جعلوا هذه المهنة الإنسانية مصدرًا للغنى السريع باستغلالهم لحاجة الناس إليهم، حيث لم ينصاعوا لقول نبيهم:"ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"، ولم يتأسوا بقول وفعل أبقراط الكافر.
4.أن لا يأخذ ذلك مقدمًا.
قال ابن عبد البر رحمه الله: (وإذا كانت مباحة ـ أي الرقية ـ فجائز أخذ البدل عليها، وهذا إنما يكون إذا صح الانتفاع بها، فكل ما لا ينتفع به بيقين فأكل المال عليه باطل محرم) .
حكم الذهاب إلى السحرة والكهان والمتشعوذين
لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يذهب إلى السحرة والكهنة والمشعوذين، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهم كل من له علاقة بالشياطين، والكواكب، والسحر، ويستعمل الرقى الشركية، ويمارس الحل والعقد، وإن صلى وصام، سواء كان منتسبًا إلى الإسلام أوكافرًا مشركًا، لقوله عز وجل:"وما يعلِّمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر"الآية.
فمن ذهب إلى أحد من هؤلاء فصدقهم فيما يقولون فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم، لقوله فيما صحَّ عنه:"من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم".
وإن ذهب ولم يصدقهم فيما يقولون لا تقبل له صلاة أربعين يومًا، بخبر الصادق المصدوق:"من أتى عرافًا فسأله عن شيء فصدقه، لم تقبل له صلاة أربعين يومًا"، توفيقًا وجمعًا بين الحديثين.
حكم العلاج بالنُّشْرَة المحرمة
تعريف النشرة
قال أبو السعادات: النُّشرة ضرب من العلاج والرقية يعالج به من كان يظن أن به مسًا من الجن، سميت نُشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أي يكشف ويزال.
وقال ابن الجوزي: النُّشْرَة حل السحرعن المسحور، ولا يكاد يقدر عليه إلا من يعرف السحر.
نوعا النشرة
1.نشرة بالرقى والتعاويذ والدعوات المباحة، فهذه جائزة ومشروعة.
2.نشرة محرمة، وهي حل السحر بمثله، أوالعلاج بالسحر، والاستعانة بالشياطين، واستعمال الرقى الشركية.
بعد أن أجمع أهل العلم على جواز النُّشْرَة الشرعية اختلفوا في حكم ذهاب المضطر المسحور والمعيون ونحوهما، الذين لم يجدوا من يعالجهم مما بهم من أدواء على قولين، فمنهم من أجاز الذهاب، منهم سعيد بن المسيب، ويُحمل كلامه على ما لا يعلم أنه سحر، ومنهم من منع، منهم الحسن البصري.
قال ابن القيم رحمه الله: (النُّشْرَة حل السحر من المسحور، وهي نوعان: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب فيبطل عمله عن المسحور، والثاني النُّشْرَة بالرقية، والتعوذات، وأدوية مباحة، فهذا جائز.