ومما جاء في صفة النُّشْرَة الجائزة ما روى ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ليث بن أبي سليم قال: بلغني أن هؤلاء الآيات شفاء من السحر بإذن الله تعالى، تقرأ في إناء فيه ماء، ثم يصب على رأس المسحور، الآية التي في سورة يونس:"ما جئتم به السحر إن الله سيبطله إن الله لا يصلح عمل المفسدين"إلى قوله:"ولو كره المجرمون"، وقوله:"فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون"إلى آخر الآيات الأربع، وقوله:"إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى".
وقال ابن بطال: في كتاب وهب بن منبه أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء، ويقرأ فيه آية الكرسي والقواقل، ثم يحسو منه ثلاث حسوات، ثم يغتسل به، يذهب عنه كل ما به، وهو جيد للرجل إذا حبس عن أهله.
وقال: ومن الرقى التي ترد العين، ما ذكر عن أبي عبد الله التَّنَّاحي أنه كان في بعض أسفاره للحج أوالغزو على ناقة فارهة، وكان في الرفقة رجل عائن، قلما نظر إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبي عبد الله: احفظ ناقتك من العائن؛ فقال: ليس له إلى ناقتي سبيل؛ فأخبر العائن بقوله، فتحين غيبة أبي عبد الله، فجاء إلى رحله، فنظر إلى الناقة، فاضطربت وسقطت، فجاء أبو عبد الله، فأخبر أن العائن قد عانها، وهي كما ترى، فقال: دلوني عليه؛ فدُلَّّ، فوقف عليه، وقال: بسم الله، حبس حابس، وحجر يابس، وشهاب قابس، رددت عين العائن عليه، وعلى أحب الناس إليه،"فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئًا وهو حسير"؛ فخرجت حدقتا العائن، وقامت الناقة لا بأس بها).
روى ابن عبد البر بسنده إلى الأسود قال: سألت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن النُّشْرَة، فقالت: ما تصنعون بالنشرة والفرات إلى جانبكم، ينغمس فيه أحدكم سبع انغماسات إلى جانب الجرية؟!
وروي عن سعيد بن المسيب أنه سئل عن الرجل يأبق له العبد أيؤخذه؟ فقال سعيد: قد وخذنا فما رد علينا شيء، أورد علينا شيئًا.
وروي عن ابن جريج قال: سألت عطاء بن أبي رباح عن النُّشْرَة، فكره نشرة الأطباء، وأما شيء تصنعه أنت فلا بأس.
وعن سعيد بن المسيب في الرجل يؤخذ عن امرأته فيلتمس من يداويه، قال: إنما نهى الله عما يضر ولم ينه عما ينفع.
وقال أحمد: رخص فيه بعض الناس وما أدري ما هذا؟!
نماذج لبعض العائنين والمعيونين
العين ليست قاصرة على الحاسدين، فقد يعين الرجل الصالح إذا أعجبه شيء ولم يبرِّك من حيث لا يشعر، قد يعين نفسه، أوولده، أوماله، أوغيرهم.
قال ابن القيم: (وقد يعين الرجل نفسه، وقد يعين بغير إرادته) .
وقال القرطبي: (إن الرجل الصالح قد يكون عائنًا، وأن هذا ليس من باب الصلاح ولا من باب الفسق في شيء) .
ولكن أغلب ضرر العائنين يأتي من الحاسدين الحاقدين، وإليك هذه النماذج من الصالحين وغيرهم:
1.عامر بن ربيعة عان سهل بن حُنَيف حتى سقط إلى الأرض رضي الله عنهما، وقد مر.
2.سعد بن أبي وقاص عانته امرأة عندما خرج يومًا وهو أمير الكوفة، فنظرت إليه امرأة فقالت: إن أميركم هذا لأهضم الكشحين، فرجع إلى منزله فوعك، ثم إنه بلغه ما قالت، فأرسل إليها، فغسلت له أطرافها ثم اغتسل به، فذهب ذلك عنه.
والكشح ما بين الخاصرة إلى الضلع الخلف، وهو من لدن السرة إلى المتن، وهو موقع السيف من المتقلد، وأهضم الكشحين أي دقيق الخصرين.
3.من العائنين المشهورين هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي، فقد عان سالم بن عبد الله بن عمر، حكى المدائني عن الأصمعي قال: حج هشام بن عبد الملك فأتى المدينة، فدخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر، فلما خرج من عنده قال هشام: ما رايت ابن سبعين أحسن كدنة منه! فلما صار سالم في منزله حُمَّ، فقال: أترون أن الأحول لقعني بعينه؟ فما خرج هشام من المدينة حتى صلى عليه.
4.وذكر القاضي حسين من الشافعية أن نبيًا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام استكثر قومه ذات يوم فأمات الله تعالى منهم مائة ألف في ليلة واحدة، فلما أصبح شكا إلى الله ذلك، فقال الله تعالى له: إنك لما استكثرتهم عنتهم فهلا حصنتهم؟
5.وقال الدميري في حياة الحيوان75 له: رأيت بخط بعض العلماء المتقدمين من المبرزين أنه كان بخرسان رجل عائن، فجلس يومًا إلى جماعة فمر بهم قطار جِمَال، فقال العائن من أي جمل تريدون أن أطعمكم من لحمه؟ فأشاروا إلى جمل من أحسنها، فنظر إليه العائن فوقع الجمل لساعته.