والمراد توجهه إلى بعض أحوالها التي لها اختصاص بذلك الفعل ، مثل قوله تعالى: {حُرّمت عليكم الميتة} [المائدة: 3] أي حرم عليكم أكلُها ، وقوله: {وأن تجمعوا بين الأختين} [النساء: 23] أي أن تجمعُوهما معاً في عصمة نكاححِ والاعتماد في هذا على قرينة السياق كما في الآيتين المذكورتين وقوله تعالى: {فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون} في سورة الطور (45) ، أو على ذكر ما يدل على حالة خاصة مثل قوله: يخوضوا ويلعبوا في هذه الآية ، فقد يكون المقدر مختلفاً كما في قوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه} [المائدة: 90] إذ التقدير: فاجتنبوا شرب الخمر والتقامر بالميسر وعبادة الأَنصاب والاستقسام بالأزلام.
وهذا الاستعمال هو المعنون في أصول الفقه بإضافة التحليل والتحريم إلى الأعيان ، أو إسناد التحريم والتحليل إلى الأعيان ، ولوضوح دلالة ذلك على المراد لم يَعُدّه جمهور علماء الأصول من قبيل المجمل خلافاً للكرخي وبعض الشافعية.
وقد يتوسل من الأمر بالترك إلى الكناية عن التحقير وقلة الاكتراث كقول كَبْشَةَ أختتِ عَمرو بن معديكرب تُلْهَب أخاها عمراً للأخذ بثأر أخيه عبد الله وكان قد قتل:
ودَعْ عنك عَمْراً اِنَّ عَمْراً مُسالم...
وهل بَطْنُ عَمرو غَيْرُ شِبْرٍ لمَطْعَم
وما في هذه الآية من ذلك الأسلوب أي لا تكترث بهم فإنهم دون أن تصرف همتك في شأنهم مثل قوله تعالى: {فلا تذهب نفسك عليهم حسرات} [فاطر: 8] .
وبهذا تعلم أن قوله تعالى: {فذرهم} لا علاقة له بحكم القتال ، ولا هو من الموادعة ولا هو منسوخ بآيات السيف كما توهمه بعض المفسرين.
والخوض: الكلام الكثير ، والمراد خوضهم في القرآن وشأن النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين.