فهرس الكتاب

الصفحة 998 من 1363

لما كان التقديس في الإنسان فطريًا ، كان الإنسان من فطرته أن يعبد شيئًا . فالعبادة رجع طبيعي لغريزة التدين . ولذلك يشعر الإنسان حين يؤدي العبادة براحة وطمأنينة ، لأنه في أدائه العبادة يكون قد أشبع غريزة التدين . إلا أن هذه العبادة لا يجوز أن تترك للوجدان أن يقررها كما يتطلب ، ويؤديها الإنسان كما يتخيل . بل لا بد أن يشترك العقل مع الوجدان لتعيين الشيء الذي يجب أن يعبد . لأن الوجدان عرضة للخطأ ، ومدعاة للضلال . وكثيرًا ما يدفع الوجدان الإنسان لعبادة أشياء يجب أن تحطم ، وكثيرًا ما يدفع لتقديس أشياء يجب أن تحتقر . فإذا ترك الوجدان وحده يقرر ما يعبده الإنسان ، أدى ذلك إلى الضلال في عبادة غير الخالق ، أو إلى الخرافات في التقرب إلى الخالق بما يبعد عنه . وذلك أن الوجدان إحساس غريزي ، أو شعور داخلي ، يظهر بوجود واقع محسوس يتجاوب معه ، أو من تفكير بما يثير هذا الشعور . فإذا أحدث الإنسان رجعًا لهذا الشعور بمجرد وصوله دون تفكير ، قد يؤدي ذلك إلى الضلال أو الخطأ .

فمثلًا قد ترى في الليل شبحًا فتظنه عدوًا لك ؛ فتتحرك فيك غريزة البقاء في مظهر الخوف ؛ فإذا استجبت لهذا الشعور ، وأحدثت الرجع الذي يتطلبه وهو الهرب مثلًا ، كان ذلك خطأ منك ، لأنك قد تهرب من لاشيء ! وقد تهرب من شيء لا تنفع فيه إلا المقاومة فيكون رجعك الذي أحدثته خطأ . ولكن حين تستعمل عقلك ، وتفكر في هذا الشعور الذي ظهر لديك قبل أن تحدث الرجع الذي يتطلبه ، يتبين لك ما هو الذي يجب أن تقوم به من الأعمال . فقد يتبين لك أن الشبح عامود كهرباء ، أو شجرة ، أو حيوانا ، وحينئذ يتبدد لديك الخوف وتظل سائرًا . وقد يتبين لك أنه سبع لا تقوى على الركض أمامه ، فتلجأ إلى الحيلة في تسلق شجرة ، أو اللجوء إلى منزل فتنجو . لذلك لا يجوز أن يقوم الإنسان بالرجع الذي تتطلبه الغريزة ، إلا مع استعمال العقل ، أي لا يجوز أن يقوم بأعمال بناء على دافع الوجدان وحده ، بل لا بد من استعمال العقل مع الوجدان . ومن هنا كان لا بد أن يكون التقديس مبنيًا على التفكير مع الوجدان ، لأنه رجع لغريزة التدين . فلا يجوز أن يحصل هذا الرجع دون تفكير ، لأنه قد يؤدي إلى الضلال أو الخطأ . فوجب أن لا يحدث الإنسان هذا الرجع لغريزة التدين ، إلا بعد التفكير ، أي إلا باستعمال العقل . ولذلك لا يجوز أن تكون عبادة إلا وفق ما يرشد إليه العقل ، حتى تكون هذه العبادة لمن تهدي الفطرة لعبادته ، وهو الخالق المدبر الذي يشعر الإنسان أنه محتاج إليه .

والعقل يحتم أن لا تكون العبادة إلا للخالق لأنه هو الأزلي ، وهو واجب الوجود ، فلا يجوز أن تكون العبادة لغيره . فهو الذي خلق الإنسان والكون والحياة ؛ وهو المتصف بصفات الكمال المطلق ، فإذا اعتقد الإنسان بوجوده فيتحتم أن يعبده ، ويتحتم أن تكون العبادة له وحده . فالإقرار بكونه خالقًا ، فطريًا وعقليًا ، يحتم على المقر أن يعبده ، لأن العبادة رجع لشعوره بوجوده ، وهي أعظم مظهر من مظاهر الشكر التي يجب أن يقوم بها المخلوق لمن أنعم عليه بنعمة الخلق والإيجاد . فالفطرة تحتم العبادة ، والعقل يحتم العبادة . والفطرة تحتم أن تكون هذه العبادة لهذا الخالق وحده دون غيره ، والعقل يحتم أن يكون الذي يستحق العبادة والشكر والثناء هو الخالق وحده دون سواه . ولذلك نجد الذين استسلموا للوجدان وحده في إحداث رجع التقديس دون أن يستعملوا العقل ، ضلوا ، فعبدوا معبودات متعددة مع اعترافهم بوجود الخالق الواجب الوجود ، ومع اعترافهم بأن هذا الخالق واحد . ولكنهم حين أحدثوا رجع التدين ، قدسوا الخالق ، وقدسوا معه غيره . فعبدوا الخالق ، وعبدوا المخلوقات ، إما باعتبارها آلهة تستحق العبادة لذاتها ، وإما ظنا منهم أن الخالق حل بها ، أو أنه يرضى بالتقرب إليه في عبادتها . فالفطرة تحتم وجود الخالق ، ولكن رجع التقديس الذي يتحتم إحداثه حين يحصل ما يحرك مشاعر التدين يؤدي إلى جعل التقديس لكل ما يظن فيه أنه المستحق للعبادة ، إما لكونه خالقًا ، أو لتصور رضا الخالق بتقديسه ، أو للظن بأنه حل به . فيؤدي ذلك إلى تعدد المعبودات ، مع وحدة الخالق .

ولذلك جاء ظن التعدد متجهًا نحو المعبود ، لا نحو الخالق ، فكان النفي للتعدد يجب أن يكون نفيًا للمعبودات ، وحصرًا للعبادة بالخالق الأزلي الذات ، الواجب الوجود .

ولذلك جاء الإسلام مبينًا لبني الإنسان كلهم ، أن العبادة لا تكون إلا للذات الواجب الوجود ، وهو الله سبحانه وتعالى ، وشارحًا هذا البيان بطريق عقلي صريح . فسألهم عن الأشياء التي يجب أن يقوم بها المعبود ، فأجابوا أنه هو الله ، وألزموا أنفسهم الحجة ،-- وما من اله إلا اله واحد-- أي ما من معبود إلا معبود واحد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت