فهرس الكتاب

الصفحة 986 من 1363

وسمى الله الحكم بغير شريعته طاغوتًا: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا} (سورة النساء: 60) .

والآيات والأحاديث وكلام السلف والعلماء مشهور لا يتسع المجال لذكر ذلك، ولكن حسبنا بما ذكرنا إشارات يعرف بها ذلك الأمر..

لكن متى يكون الحكم بغير ما أنزل الله -عز وجل- ناقضًا من نواقض الإيمان؟!

1.من شرّع شرعًا يخالف ما أنزل الله: لأن التشريع حق خالص لله، من نازعه شيئًا منه فهو مشرك: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (سورة الشورى: 21) .

(وغالب الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين -من خلال استقراء دساتيرها- إنما هو انسلاخ من عقيدة إفراد الله وحده بالتشريع، حيث جَعلت التشريع والسيادة للأمة أو الشعب، وربما جَعلت الحاكم مشاركًا في سلطة التشريع، وقد يستقل بالتشريع في بعض الأحوال، وكل ذلك تمرد على حقيقة الإسلام التي توجب الانقياد والقبول لدين الله، والله المستعان) 4.

2.أن يجحد أو ينكر الحاكم بغير ما أنزل الله -عز وجل- أحقية حكم الله ورسوله؛ كما جاء في رواية لابن عباس في قول الله: ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) قال: (من جحد ما أنزل الله فقد كفر ) رواه ابن جرير في تفسيره (6/149) واختاره.

3.أن يفضِّل حكم الطاغوت على حكم الله، سواء كان هذا التفضيل مطلقًا أو مقيدًا في بعض المسائل.. وقد ذكر الإمام محمد بن عبد الوهاب هذه الحالة ضمن نواقض الإسلام..

ولقد فعل ذلك التتار عندما أسقطوا الخلافة الإسلامية، فقدَّموا حكم الياسق (كتاب تشريعي مختلط) وفرضوه على المسلمين، ونبذوا حكم الله، وقد كفَّرهم علماء عصرهم، وقد ذكر ذلك ابن كثير عند تفسير قوله -تعالى-: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (سورة المائدة: 50) .

وهذا صار شائعًا في قوانين الدول اليوم، حيث أحلوا القوانين الوضعية محل شرع الله، وجعلوها أفضل منه، وقالوا: شريعة الله كانت خاصة بالأزمنة الأولى، وهي لا تتماشى مع روح العصر، فكفروا بالله من حيث يشعرون أو لا يشعرون.. وهؤلاء لا تنفعهم صلاتهم وصيامهم وزعمهم بأنهم مسلمون ما داموا لم يحكِّموا شريعة الله، فإن الحكم بشرع الله من صميم العبادة، كما تبين ذلك..

ويلحق بهذه الحالة: من لم يحكم بما أنزل الله استهانة لحكم الله، واستخفافًا واحتقارًا له، فقد اجتمع فيه من الشناعة أمران:

العدول عن حكم الله، والاستهزاء {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُونَ} (سورة التوبة: 65) .

4.من ساوى بين حكم الله وحكم الطاغوت.. فهذا من نواقض التوحيد؛ لأن ذلك يقتضي مساواة المخلوق بالخالق في التشريع، وقد قال الله: (ليس كمثله شيء) وقوله: (فلا تجعلوا لله أندادًا) والند: هو المثيل والشبيه..

5.أن يجوّز الحكم بغير شريعة الله، أو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله غير واجب، وأنه مخير فيه، فهذا ردة عن الإسلام..

من لم يحكم بما أنزل الله إباءً وامتناعًا، فهو كافر خارج عن الملة.. وإن لم يجحد أو يكذب حكم الله..

ثالثًا: الإعراض التام عن دين الله:

فلا يتعلم الدين ولا يعمل به.. والإعراض معناه في اللغة: الصدّ والتولِّي، يقول الراغب الأصفهاني: (وإذا قيل: أعرض عني، فمعناه: ولّى مبديًا عرضه) 5.

والمقصود بالإعراض -هاهنا- والذي يعد ناقضًا من نواقض لا إله إلا الله العملية هو: الإعراض عن دين الله، فلا يتعلمه ولا يعمل به، وهو التولي عن طاعة الرسول، والامتناع عن الاتباع، والصدود عن قبول حكم الشريعة.. قال الله -عز وجل-: {..وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا * خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاء لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا} (سورة طه: 99-101) .

والإعراض عن دين الله وشرعه هو حقيقة النفاق قال الله -عز وجل-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا} (سورة النساء: 61) ء ، يقول ابن القيم في هذه الآية: (فجعل الإعراض عما جاء به الرسول، والالتفات إلى غيره هو حقيقة النفاق، كما أن حقيقة الإيمان هو تحكيمه وارتفاع الحرج عن الصدور بحكمه، والتسليم لما حكم به رضىً واختيارًا ومحبة، فهذا حقيقة الإيمان، وذلك الإعراض حقيقة النفاق..) 6.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت