السحر خطره عظيم، وضرره جسيم إذا تمشى في مجتمع، حيث لا يجتمع هو والإيمان برب العالمين، ولا بتصديق نبوة خاتم الأنبياء والمرسلين، وهو القائل:"من أتى كاهنًا فعرفه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد".
وليس من العجيب اعتقاد الجهلة، والنساء، ولاعبي الكرة، والفنانين، فيما يقوله السحرة، والكهنة، والمشعوذين، ولكن الغريب اعتقاد بعض الملوك، والرؤساء، والوزراء، والوكلاء، ومديري البنوك وغيرهم في ذلك، الأقدمين منهم والمحدثين، المسلمين منهم وغير المسلمين، العرب منهم والأعجمين.
وصدق من قال: إن الأول لم يترك للآخر شيئًا، خيرًا كان أم شرًا، ويرجع ذلك لأسباب، هي:
1.عدم اليقين أوقلته.
2.الجهل بخطورة الاشتغال بالسحر وتصديق السحرة.
3.ضعف العقول.
4.الحرص على متع الدنيا الفانية.
5.الغفلة وطول الأمل.
6.عدم إقامة الحد على الساحر.
7.سكوت العلماء عن مخاطر الشرك.
8.انتشار الفكر الصوفي، لأن معظم المشتغلين بذلك من الطرقيين.
9.الجهل بالدين.
10.الوهن والضعف.
تعريف السحر
لغة: هو كل ما دق ولطف وخفي سببه.
اصطلاحًا: السحر أنواع كثيرة، قيل ثمانية بل تزيد.
قال محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله: (اعلم أن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانع لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعًا لها مانعًا لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافًا متباينًا) .
منه ما هو كفر، ومنه ما ليس بكفر ولكنه من كبائر المحرمات.
الذي يهمنا من هذه الأنواع ما هو كفر من السحر.
ذكر الحافظ ابن حجر عن الراغب الأصفهاني وغيره: (السحر يطلق على معان) ، ملخصها:
1.ما لطف ودق، ومنه سحرت الصبي إذا استملته، ومنه حديث:"إن من البيان لسحرًا".
2.ما يقع بخداع وتخيلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، قال تعالى:"يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى"، وقال:"سحروا أعين الناس واسترهبوهم".
3.ما يحصل بمعاونة الشياطين بضرب من التقرب إليهم.
4.ما يحصل بمخاطبة الكواكب واستنزال روحانياتها.
فالسحر الذي يكون تعلمه والاشتغال به وتصديقه كفر هو ما يتعلق بالشياطين، والكواكب، وقلب الأشياء وتغييرها عن حقيقتها.
نماذج لما هو كفر من السحر
1.الذي يركب المكنسة أويجلس على السرير ويطير به في الهواء.
2.الذي يدعي أن الكواكب تخاطبه.
3.الحل والعقد، أوالصرف والعطف.
4.الذي يطيع الشياطين، ويذبح لها، ويستنزلها بالبخور ونحوه.
5.تعاطي بعض المحرمات كشرب الدم، وتشبه النساء بالرجال.
قال ابن حزم: ومنه ما يوجد من الطلسمات كالطابع المنقوش فيه صورة عقرب، في وقت كون القمر في العقرب، فينفع إمساكه من لدغة العقرب ـ كالمشاهد في بعض بلاد المغرب ـ وهي سرقسطة ـ فإنها لا يدخلها ثعبان قط إلا إن كان بغير إرادته، وقد يجمع بعضهم بين الأمرين الأخيرين كالاستعانة بالشياطين ومخاطبة الكواكب، فيكون هذا أقوى بزعمهم.
قال ابن العربي المالكي عن تعريف السحر: كلام مؤلف يعظَّم به غير الله تعالى، وتنسب إليه في المقادير والكائنات.
وقال ابن قدامة: السحر هو عقد ورقى وكلام يتكلم به، أويكتبه، أويعمل شيئًا يؤثر في بدن المسحور، أوقلبه، أوعقله.
السحر له حقيقة وتأثير
ذهب أهل السنة قاطبة إلى أن للسحر حقيقة، وله تأثير بإذن الله، وبإرادة الله لحكمة يعلمها هو، وهو الراجح للأدلة النقلية الكثيرة، ولما هو مشاهد، وذهب أهل الأهواء من المعتزلة وغيرهم إلى أنه لا حقيقة له، وإنما هو مجرد خيالات باطلة.
قال الإمام المازري المالكي رحمه الله: جمهور العلماء على إثبات السحر، وأن له حقيقة، ونفى بعضهم حقيقته، وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة، وهو مردود لورود النقل بإثبات السحر.
وقال النووي رحمه الله: والصحيح أن له حقيقة وبه قطع الجمهور، وعليه عامة العلماء، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة.
الأدلة على كفر متعلم السحر المتعلق بالشياطين والكاوكب، والمشتغل به، ومصدقه
الأدلة على كفر متعلم هذا النوع من السحر، والمشتغل به، والذاهب إليه، والمصدق له كثيرة جدًا، نذكر منها ما يأتي:
1.قوله تعالى:"واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما مايفرِّقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله".
2.وقوله تعالى:"ولا يفلح الساحر حيث أتى"، فقد نفى الله جميع أنواع الفلاح عن الساحر، كما نفى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفلاح بالكلية عمن ولوا أمرهم النساء.
3.قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"اتقوا السبع الموبقات"، أي المهلكات، وذكر منهن السحر، بل قرنه بالإشراك بالله عز وجل.