والولاء والبراء أوثق عرى الإيمان: كما قال صلى الله عليه وسلم: [أَوْثَق عُرَى الْإِيمَان الْحُبّ فِي اللَّه وَالْبُغْض فِي اللَّه] رواه أحمد-بنحوه- والحاكم . يقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب:'فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، أو علم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالحب في الله والبغض في الله...ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرقانًا بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان' [ من رسالته أوثق عرى الإيمان ص 38] .وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم، فقد قال عليه الصلاة والسلام: [أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتُنَاصِحَ الْمُسْلِمِينَ وَتُفَارِقَ الْمُشْرِكِينَ] رواه النسائي وأحمد . وتأمل معي هذه العبارة الرائعة التي سطرها أبو الوفاء بن عقيل [ت 513 ه] :
'إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون كفرًا... وعاشوا سنين، وعظمت قبورهم، واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب' [من الآداب الشرعية لابن مفلح 1/268] .
2-الولاء معناه المحبة والمودة والقرب، والبراء هو البغض والعداوة والبعد: والولاء والبراء أمر قلبي في أصله، لكن يظهر على اللسان والجوارح، فالولاء لا يكون إلا لله، ورسوله، وللمؤمنين، كما قال سبحانه:إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا... [55] } [سورة المائدة] . فالولاء للمؤمنين يكون بمحبتهم لإيمانهم، ونصرتهم، والإشفاق عليهم، والنصح لهم، والدعاء لهم، والسلام عليهم، وزيارة مريضهم، وتشييع ميتهم، ومواساتهم وإعانتهم، والسؤال عن أحوالهم، وغير ذلك من وسائل تحقيق هذا الولاء .
والبراءة من الكفار تكون: ببغضهم - دينًا - وعدم بدئهم بالسلام، وعدم التذلل لهم أو الإعجاب بهم، والحذر من التشبه بهم، وتحقيق مخالفتهم - شرعًا - وجهادهم بالمال واللسان والسنان، والهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام، وغير ذلك من مقتضيات البراءة منهم [انظر تفصيل ذلك في كتاب:' الولاء والبراء' للقحطاني، وكتاب:'الموالاة والمعاداة' للجلعود] .
3-أهل السنة يرحمون الخلق ويعرفون الحق: فهم أحسن الناس للناس، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين، وهم في وئام تام، وتعاطف وتناصح وإشفاق كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر، حتى قال أحد أيوب السَّخِتْياني:'إنه ليبلغني عن الرجل من أهل السنة أنه مات، فكأنما فقدت بعض أعضائي' [ 'الحجة في بيان المحجة' للأصفهاني-قوام السنة-: 2/487] .
ولذا قال قوام السنة إسماعيل الأصفهاني: 'وعلى المرء محبة أهل السنة في أي موضع كانوا؛ رجاء محبة الله له، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ] رواه مالك وأحمد. وعليه بغض أهل البدع في أي موضع كانوا حتى يكون ممن أحب في الله وأبغض في الله' [المرجع السابق 2/501] . وهذا الولاء فيما بين أهل السنة، إنما هو بسبب وحدة منهجهم، واتحاد طريقتهم في التلقي والاستدلال، والعقيدة والشريعة والسلوك .
4-الكفار هم أعداؤنا قديمًا وحديثًا سواء كانوا كفارًا أصليين كاليهود والنصارى، أو مرتدين: قال تعالى: لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً... [28] } [سورة آل عمران] .فهذه حقيقة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، وهي أن الكفار دائمًا وأبدًا هم أعداؤنا وخصومنًا، كما قرر ذلك سبحانه فقال عنهم:لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً... [10] } [سورة التوبة] . وقال تعالى: مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ... [105] } [سورة البقرة] .
وقال سبحانه: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ... [109] } [سورة البقرة] .