وبعد ذلك نقول ماذا يعني التطبيع في عرف اليهود والأمريكان والساسة العرب , وهل هو منطبق على معنى الصلح الشرعي ؟ وما معناه من خلال واقع ثلاث معاهدات تمت مع اليهود ( مع السلطة الفلسطينية و مصر و الأردن ) إذا عرفنا ذلك أمكن تصور معالم هذا التطبيع الجديد , والصلح العصري والتطبيع يعني تمكين اليهود من أرض إسلامية ، وعلى رقاب شعب مسلم ، ووجود سفارات وبعثات دبلوماسية ــ ولا يخفى أن هذه تتحول إلى أوكار للجاسوسية ــ ، ووجود شركات اقتصادية وملاحق عسكرية وثقافية وفنانين ، وتعني تطبيعا سياحيا لاستجلاب اليهود يؤدي إلى إنشاء فنادق ومطاعم وبنوك ومراقص ومسارح و فن. وزيارة اليهود للمدينة لإقامة مهرجانات أعيادهم وزيارتهم لآثار أجدادهم وهذا هو الذي ينادون به وهو الذي حصل في الدول التي قبلت التطبيع المزعوم مع اليهود ، فاسأل به خبيرا ، واسأل شعوبها ماذا حصل ؟ ففيهم لنا عبرة فاعتبروا يا أولى الأبصار .
ويؤدي إلى ضياع المناهج التعليمية مع التطبيع ، و ضياع عقيدة البراءة في تلك المناهج من الكفار عموما و من اليهود خصوصا .
ويقصدون بالتطبيع الكامل إقامة علاقات تجارية وسياحية ودبلوماسية وثقافية وتاريخية طبق قرارات هيئة الأمم المتحدة ، وليس طبق قرارات القرآن والسنة . هذا هو معنى الصلح عندهم . وبذلك نعرف أنه يعني الاستسلام للكفار وعلو شأنهم وإضاعة للدين وللأراضي الإسلامية .
أما معنى الصلح الشرعي المجمع عليه فهو: الصلح مع الكفار إن دعت المصلحة على وضع الحرب مدة معلومة إن كان عقدا لازما ، أو مدة مطلقة إن كان عقدا جائزا ممكن الفسخ وقت الحاجة , هذا هو حدود الصلح الشرعي بالإجماع , أما المصالحة المتضمنة تنازلات عقدية وإلغاء لأحكام شرعية فهذا صلح باطل شرعا بالإجماع ولا يجوز ، و ليس هو صلحا مسموحا به شرعا بل حقيقته استسلام ونكوص عن الشريعة وتخل عن بعض أحكامها وشرائعها ، وهذا لم يحصل من الرسول صلى الله عليه وسلم ومن اعتقد أن ذلك حدث من الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر مرتد .
ثانيا: أدلة التحريم والمنع من الكتاب والسنة والإجماع وباعتبار المفاسد والمآل .
إذا عرفنا ذلك فإن التطبيع مع اليهود محرم شرعا ، ولا يجوز لأحد كائنا من كان أن يعقده بتلك الصورة ، وإذا وقع كذلك فإنه يقع صلحا باطلا . أما الأدلة على ذلك:
1 ـ قال تعالى ( قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ) وهذا التطبيع يعطل هذه الآية .
2 ـ ويضاد قوله تعالى ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ) وإذا كان الله أوجب القتال لإنقاذ المستضعفين فكيف نصالحهم صلحا يمكنهم من المستضعفين من المسلمين وهذا مما يتضمنه التطبيع .
3 ـ قال تعالى ( فإن نقضوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم ) فأمر بمقاتلة الناقض والطاعن في الدين ، فكيف نعقد معهم ما يسمونه صلحا في الوقت الذي يحرم عقده كما في الآيات السابقة .
4 ـ قال تعالى ( إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) .
5 ـ ويضاد مقاصد الجهاد الشرعي الثابت في الكتاب والسنة والإجماع .
6 ـ وهو صلح باطل لما فيه من الشروط الباطلة المضادة للإسلام ، وقد جاء في حديث عائشة مرفوعا ( ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق ) متفق عليه . ففيه من الشروط الاعتراف بالكيان اليهودي ، وإلغاء الجهاد وأمثال ذلك .
7 ـ ويضاد الأحاديث الصحيحة التي تأمر بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب وبالصلح المزعوم اليوم أدخلوا اليهود والنصارى إلى جزيرة العرب .
8 ـ ويضاد حديث ( من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد ) رواه الشيخان من حديث عائشة واللفظ لمسلم ، وهذا الصلح المذموم ليس عليه أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بل هو مضاد له .
9 ـ ويضاد الأصول المجمع عليها في الجهاد والولاء والبراء وأصل عدم تمكين اليهود من جزيرة العرب .
ثالثا: مناقشة من أجاز التطبيع العصري بناء على صلح الحديبية ونحوه:
وقبل مناقشة هؤلاء يُقال لهم وهل الحكام أصلا عند قراراتهم السياسية يبحثون عن الدليل الشرعي حتى نحاول التطوع بالتسويغ الشرعي لهم ، أم أن آخر ما يفكرون به الناحية الشرعية , هذا إذا فكروا .
ويتضح الكلام في مسألة التطبيع المحرم لو أننا فرضنا أمورا تمت في صلح الرسول صلى الله عليه وسلم ( وحاشاه ) مع الكفار لأنه بضدها تتبين الأشياء كما قال الشاعر:
الضد يظهر حسنه الضد وبضدها تتبين الأشياء