قال القرطبي رحمه الله في تفسير آيتي الجن السابقتين:( قال العلماء رحمة الله عليهم: لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه، كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه، ثم استثنى من ارتضاه من الرسل، فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم، وجعله معجزة لهم، ودلالة صادقة على نبوتهم، وليس المنجم ومن ضاهاه ممن يضرب بالحصى، وينظر في الكتب، ويزجر بالطير، ممن ارتضاه من رسول فيطلعه على ما يشاء من غيبه، بل هو كافر بالله، مفتر عليه بحدسه وتخمينه وكذبه، قال بعض العلماء: وليت شعري ما يقول المنجم في سفينة ركب فيها ألف إنسان على اختلاف أحوالهم، وتباين رتبهم، فيهم الملك والسوقة، والعالم والجاهل، والغني والفقير، والكبير والصغير، مع اختلاف طوالعهم، وتباين موالديهم، ودرجات نجومهم، فعمهم حكم الغرق في ساعة واحدة؟ فإن قال المنجم قبحه الله: إنما أغرقهم الطالع الذي ركبوا فيه، فيكون على مقتضى ذلك أن هذا الطالع أبطل أحكام تلك الطوالع كلها على اختلافها عند ولادة كل واحد منهم، وما يقتضيه طالعه المخصوص به، فلا فائدة أبدًا في عمل المواليد، ولا دلالة فيها على شقي وسعيد، ولم يبق إلا معاندة القرآن العظيم، وفيه استحلال دمه على هذا التنجيم، ولقد أحسن الشاعر حيث قال:
حكم المنجم أن طالع مولدي يقضي عليّ بميتة الغرق
قل للمنجم صبحة الطوفان هل وُلِدَ الجميع بكوكب الغرق؟).
من تلكم المواقف ما يأتي:
أ. إمام المتقين وسيد المتوكلين صلى الله عليه وسلم يغزو في صفر وينتصر فيه
عندما أراد صلى الله عليه وسلم أن يغزو في صفر قال له البعض: لا تغز في هذا الشهر، فإنك إن غزوت فيه فلن تنتصر على عدوك؛ فلم يلتفت إلى أقوالهم، وغزا فيه وانتصر على عدوه، وسماه صفر الخير.
ب. أمير المؤمنين علي قاتل أهل النهروان في صفر وينتصر عليهم
قيل لعلي رضي الله عنه لما أراد لقاء الخوارج: أتلقاهم والقمر في العقرب؟ فقال رضي الله عنه: فأين قمرهم؟ وكان ذلك في آخر الشهر، فانظر إلى هذه الكلمة التي أجاب بها، وما فيها من المبالغة في الرد على من يقول بالتنجيم، والإفحام لكل جاهل يحقق أحكام النجوم .
وقال له مسافر بن عوف: يا أمير المؤمنين، لا تسر في هذه الساعة، وسر في ثلاث ساعات يمضين من النهار؛ فقال له علي رضي الله عنه: ولِمَ؟ قال: إنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصاب أصحابك بلاء وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك ظفرت وأصبت ما طلبت؛ فقال عليّ رضي الله عنه: ما كان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم، ولا لنا من بعده ـ في كلام طويل يحتج فيه بآيات من التنزيل ـ فمن صدقك في هذا القول لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ندًا، أو ضدًا؛ اللهم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك؛ ثم قال للمتكلم: نكذبك ونخالفك، ونسير في الساعة التي تنهانا عنها. ثم أقبل على الناس، فقال: أيها الناس إياكم وتعلم النجوم إلا ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر، وإنما المنجم كالساحر، والساحر كالكافر، والكافر في النار، والله لئن بلغني أنك تنظر في النجوم وتعمل بها لأخلدنك في الحبس ما بقيتَ وبقيتُ، ولأحرمنك العطاء ما كان لي سلطان؛ ثم سافر في الساعة التي نهاه عنها، ولقي القوم فقتلهم، وهي وقعة النهروان الثابتة في صحيح مسلم.
ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها وظفرنا وظهرنا لقال قائل: سار في الساعة التي أمر بها المنجم؛ ماكان لمحمد صلى الله عليه وسلم منجم ولا لنا من بعده؛ فتح الله علينا بلاد كسرى، وقيصر، وسائر البلدان؛ ثم قال: أيها الناس! توكلوا على الله، وثقوا به فإنه يكفي ممن سواه).
قلت: رضي الله عن عليّ، لم يمنعه ما هو فيه من بلاء، وما يحيط به من رفقاء متشاكسون، وأهل أهواء تعسون ـ هم الرافضة والخوارج ـ من تقرير وتثبيت عقيدة التوحيد في نفوس أتباعه، لأن ذلك من أوجب الواجبات، وسبب رئيس لجلب النصر من الله عز وجل.
ج. المعتصم العباسي يكذب المنجمين ويسفه أقوالهم ويفتح عمورية
عندما أراد المعتصم العباسي رحمه الله أن يغزو عمورية قال له المنجمون: إن مدينتنا لا يمكن أن تفتح في هذه الأيام؛ فضرب بقولهم عرض الحائط، وسفه أحلامهم، وأبطل اعتقادهم، فغزاها، وفتحها، وضمها إلى رقعة الدولة الإسلامية، وقد صاغ أبو تمام هذه الحادثة شعرًا، حيث قال:
السيف أصدق إنباءً من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب
إي وربي لقد صدق أبو تمام، فقد أبطل الله بعزيمة المعتصم وإصراره على فتح تلك المدينة في ذلك الوقت الذي نهاه المنجمون عنه وَهَمَ الواهمين، وأزال شك الشاكين، قبل أن يزيل عن عمورية سلطان الكفر والكافرين.
هذا مسلك المؤمنين الصادقين، وسبيل الموحدين الموقنين بأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ودع عنك أقوال المنجمين، وكذب الدجالين، وتخرص الظانين، وتصديق الكهنة، والسحرة، والخرافيين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.