أ. ذهب كثير منهم إلى أن المراد بصفر هو داء في البطن بسبب دود كبار كالحيات، وكانوا يعتقدون أنه معدٍ، وممن ذهب إلى ذلك سفيان بن عيينة والإمام أحمد رحمهما الله .
ويرد على ذلك أنه لو كان كذلك لكان داخلًا في قوله:"لا عدوى"، وقد يقال إنه من باب عطف الخاص على العام.
ب. أن المراد بصفر شهر صفر، الذي يسميه العوام في السودان"الويحيد"، ثم اختلفوا في تفسيره على قولين:
أحدهما: أن المراد نفي ما كان الجاهليون يفعلونه في النسيء، فكانوا يحلون المحرم، ويحرمون صفر مكانه، وهذا قول مالك رحمه الله .
والثاني: أن المراد أن الجاهليين كانوا يتشاءمون بصفر، ويقولون: إنه شهر مشؤوم.
والذي يترجح لدي أن هذا التفسير هو المراد، لأن الجاهليين كانوا يتشاءمون به، ولا يزال البعض يتشاءم به إلى يومنا هذا، بحيث:
• ... لا يتزوجون فيه.
• ... ولا يسافرون فيه.
• ... ولا يحاربون فيه.
وقد أبطل الله كل ذلك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم .
ج. الصفر وجع في البطن بسبب الجوع، ومن اجتماع الماء الذي يكون من الاستسقاء.
ثانيًا: الطيرة والتشاؤم
الطيرة هي التشاؤم، وهي مصدر تطيّر، مثل تحيّر حيرة.
قال ابن حجر:( وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأى الطير طار يمنة تيمن به واستمر، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وربما كان أحدهم يهيِّج الطير ليطير فيعتمدها، فجاء الشارع بالنهي عن ذلك، وكانوا يسمونه السانح.. والبارح.
فالسانح ما ولاك ميامنه، بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس، وكانوا يتيمنون بالسانح ويتشاءمون بالبارح، لأنه لا يمكن رميه إلا بأن ينحرف إليه، وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصل له، إذ لا نطق للطير ولا تمييز.
وقال: كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير ويمتدح بتركه، قال شاعرهم:
ولقد غدوتُ وكنتُ لا أغدو على واقٍ وحاتم
فإذا الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائم
ثم قال: وكان أكثرهم يتطيرون، ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالبًا لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين).
ثالثًا: العدوى
ذهب أهل العلم في تفسير"لا عدوى"مذاهب عدة، ملخصها:
أ. نفي العدوى جملة وتفصيلًا، وحمل الأمر بالفرار من المجذوم تطييبًا لخاطره.
ب. حمل الخطاب بالنفي لمن قوي يقينه، وبالإثبات لمن ضعف يقينه وتوكله، وقد جمع هذا القول بين الحديثين، ووفق بينهما، حديث عمرو بن الشريد الثقفي عن أبيه قال:"كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنا قد بايعناك، فارجع"، وحديث جابر:"أن النبي صلى الله عليه وسلم أكل مع المجذوم، وقال: ثقة بالله وتوكلًا عليه".
قال القاضي عياض:( اختلفت الآثار في المجذوم، فجاء ما تقدم عن جابر.. فذهب عمر وجماعة من السلف إلى الأكل معه، ورأوا أن الأمر باجتنابه منسوخ، وممن قال بذلك عيسى بن دينار من المالكية، ثم قال: والصحيح الذي عليه الأكثر ويتعين المصير إليه أن لا نسخ، بل يجب الجمع بين الحديثين، وحمل الأمر باجتنابه والفرار منه على الاستحباب والاحتياط، والأكل معه على بيان الجواز.
قال ابن حجر: هكذا اختصر القاضي ومن تبعه حكاية هذين القولين، وحكى غيره قولًا ثالثًا وهو الترجيح.
ج. إثبات العدوى في الجذام والجرب ونحوهما، ونفي العدوى عما سوى ذلك.
د. المراد بإثبات العدوى في الأمراض التي تنتقل من جسم إلى جسم بواسطة الملامسة، والمخالطة، وشم الرائحة .
هـ. المراد بنفي العدوى أن شيئًا لا يعدي بطبعه نفيًا لما يعتقده الجاهليون أن الأمراض تعدي بطبعها من غير إرادة الله عز وجل، ففي نهيه إثبات الأسباب، وفي أكله مع المجذوم إشارة إلى أنها لا تستقل بذاتها بل إذا شاء الله ذلك.
الذي يترجح لدي أن القول الأخير هذا هو أرجح الأقوال، لأن ذلك هو حقيقة التوكل، وهو الاعتماد على الله مع الأخذ بالأسباب، والله أعلم.
قال الطبري رحمه الله: (والصواب عندنا القول بما صح به الخبر، وأن لا عدوى، وأنه لا يصيب نفسًا إلا ما كُتب عليها، وأما دنو عليل من صحيح فغير موجب انتقال العلة للصحيح، إلا أنه لا ينبغي لذي صحة الدنو من صاحب العاهة التي يكرهها الناس، لا لتحريم ذلك، بل لخشية أن يظن الصحيح أنه لو نزل به ذلك الداء أنه من جهة دنوه من العليل، فيقع فيما أبطله النبي صلى الله عليه وسلم من العدوى، قال: وليس في أمره بالفرار من المجذوم معارضة لأكله معه، لأنه كان يأمر بالأمر على سبيل الإرشاد أحيانًا، وعلى سبيل الإباحة أخرى، وإن كان أكثر الأوامر على الإلزام، وإنما كان يفعل ما نهى عنه أحيانًا لبيان أن ذلك ليس حرامًا) .
رابعًا: لا هامة
الهامة من غير تشديد وهو قول العامة، وشددها بعضهم.
الهامة المخففة أوّلها أهل العلم تأويلات حسب اعتقاد الجاهليين، هي: