قال صاحب ( منتفى الأخبار ) بعد أن ساق هذا الحديث كما ذكرنا: رواه الدارقطني وقال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك . قلت: وهذا لا يضر . لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين ، فيقبل رفعه وزيادته .
قال مقيده عفا الله عنه: ما قاله الإمام المجد رحمه الله ( في المنتقى ) من قبول رفع العدل وزيادته ، هو الصحيح عند أهل الأصول وأهل الحديث كما بياه مرارًا ، غلى غير ذلك من الأحاديث في رك المن وعدم الأمر بغسله .
وأما لقياس العاضد للنص فهو من وجهين: إحدهما - إلحاق المني بالبيض . بجامع أن كلًا منهما مائع يتخلق منه حيوان حي طاهر ، والبيض طاهر إجماعًا . فيلزم كون المني طاهرًا أيضًا .
قال مقيده عفا الله عنه: هذا النوع من القياس هو المعروف الصوري ، وجمهور العلماء لا يقبلونه ، ولم يشتهر بالقول به إلا إسماعيل بن علية . كما اشار له في مراقي السعود بقوله:
وابن علية يرى للصوري ... كالقيس للخيل على الحمير
وصور القياس الصوري لمختلف فيها كثيرة . كقياس الخيل على الحمير في سقوط الزكاة ، وحرمة الأكل للشبه اصوري . وكقياس المني على البيض لتولد الحيوان الطاهر من كل منهما في طهارته . وكقياس أحد التشهدين على الآخر في الوجوب أو الندب لتشابههما في الصورة . وكقياس الجلسة الأولى على الثانية في الوجوب لتشبهها بها في الصورة . وكإلحاق الهرة الوحشية بالإنسية في التحريم . وكإلحاق خنزير البحروكلبه بخنزير البر وكلبه ، إلى غير ذلك من صوره الكثيرة المعروفة في الأصول . واستدل من قال بالقياس الصوري - بأن النصوص دلت على اعتبار المشابهة في الصورة في الأحكام . كقوله: { فَجَزَآءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النعم } [ المائدة: 95 ] . والمراد المشابهة في الصورة على قول الجمهور . وكبدل القرض فإنه يرد مثله في الصورة . وقد استسلف صلى الله عليه وسلم بكرًا ورد رباعيًا كما هو ثابت في الصحيح . وكسروره صلى الله عليه وسلم بقول القائف المدلجي في زيد بن حارثة وابنه أسامة: هذه الأقدام بعضها من بعض . لأن القيافة قياس صوري ، لأن اعتماد القائف على المشابهة في الصورة .
الوجه الثاني من وجهي القياس المذكور - إلحاق المني بالطين ، بجامع ان كلًا منهما مبتدأ خلق بشر . كما قال تعالى: { وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً } [ المؤمنون: 12-13 ] الآية .
فإن قيل: هذا القياس يلزمه طهارة العلقة ، وهي دم الجامد . لأنها أيضًا مبتدأ خلق بشر . لقوله تعالى: { ثُمَّ خَلَقْنَا النطفة عَلَقَةً } [ المؤمنون: 14 ] والدم نجس بلا خلاف .
فالجواب - أن قيان الدم على الطين في الطهارة فاسد الاعتبار ، لوجود النص بنجاسة الدم . اما ياس المني على الطين فليس بفاسد الاعتبار لعدم ورود النص بنجاسة المني .
وأما حجة من قال بأن المني نجس فهو بالنص والقياس أيضًا . أما النص فهو ما ثبت عن عائشة رضي الله عنها قالت: « كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثمَّ يخرج إلى الصَّلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع ماء » . متفق عليه . قالوا: غسلها له دليل على أنه نجس . وفي رواية عند مسلم عن عائشة بلفظ: « أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصَّلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه » .
قال مقيده عفا الله عنه: وهذه الرواية الثابتة في صحيح ميلم تقوي حجة منيقول بالنجاسة . لأن المقرر في الأصول: أن الفعل المضارع بعد لفظة « كان » يدل على المداومة على ذلك الفعل ، فقول عائشة في رواية مسلم هذه: « إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغسل » تدل على كثرة وقوع ذلك منه ، ومداومته عليه ، وذلك يشعر بتحتم الغسل . وفي رواية عن عائشة في صحيح مسلم أيضًا: أن رجلًا نزل بها فأصبح يغسل ثوبه . فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه . فإن لم ر ، تضحت حوله ، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فركًا فيصلِّي فيه . اه
قالوا: هذه الرواية الثابته في الصحيح عن عائشة صرحت فيها: بأنه إنما يجزئه غسل مكانه . وقد تقرر في الأصول ( في مبحث دليل الخطاب ) وفي المعاني ( في مبحث القصر ) : أن « إنما » من أدوات الحصر . فعائشة صرحت بحصر الإجزاء في الغسل . فدل ذلك على أن الفرك لا يجزىء دون الغسل ، إلى غير ذلك من الأحاديث الدلة على غسله .
وأما القياس - فقياسهم المني على البول والحيض ، قالوا ولأنه يخرج من مخرج البول ، ولأن المذي جزء من المني . لأن الشهوة تحلل كل واحد منهما فاشتركا في النجاسة .
وأما حجة من قل: أنه نجس ، وإن يابسه يطهر بالفرك ولا يحتاج إلى الغسل فهي ظواهر نصوص تدل على ذلك ، ومن أوضحا في ذلك حديث عائشة عند الدار قطني الذي قدمناه آنفًا: « كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابسًا ، وأغسله إذا كان رطبًا » .