فهرس الكتاب

الصفحة 749 من 1363

أقول: لو اكتفى المجيزون للاحتفال بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم بصيام يوم الثاني عشر من ربيعِ الأول لما كان لهم في هذا الحديث دليل، دعك من أن يحتفلوا به، وعجبًا لهذا الفهم الذي أُوتيه الإمام السيوطي رحمه الله ولم يخطر ببال أحد من سلف هذه الأمة الذين هم خيرها وأفضلها ولا بال خلفها، فوالله لو كان هذا الفهم سائغًا لما غفلت عنه القرون الفاضلة واُستدرك في القرن العاشر، قرن التخلف والانحطاط.

• أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قدم المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، سألهم عن سبب صيامه فقالوا: هذا هو اليوم الذي نجّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وحزبه، فنصومه شكرًا لله.

قال السيوطي تبعًا لابن حجر: فيُستفاد منه فعل الشكر لله على ما منَّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أودفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود، والصيام، والصدقة، والتلاوة؛ وأيُّ نعمة أعظم ببروز هذا النبي، نبي الرحمة في ذلك اليوم، وعلى هذا فينبغي أن يُتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء.

ثم قال: فهذا ما يتعلق بأصل عمله.

قلتُ: إن كانت هذه أمثل حجج القوم في الاحتفال فما لهم والله من حجة، فاستنتاج هذا الفهم من علة صيام يوم عاشوراء لا يقل عجبًا وغرابة من الشبهة السابقة، وهذا من أفسد الأقيسة وأبطلها.

ثم نعود فنقول: لماذا لم يرد هذا الفهم وذاك الدليل على خير القرون، الذين وصفهم ابن مسعود رضي الله عنه ولا ينبئك مثل خبير بأنهم:"أَبَرُّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا".

• أما الشبهة الثالثة التي برر بها الإمام السيوطي جواز الاحتفال بالمولد الشريف فهي رواية لم يوضِّح مخرجها ولا درجة صحتها، حيث قال: (وقد ظهر لي تخريجه على أصل آخر، وهو ما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه بعد النبوة، مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عقَّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهارٌ للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته كما كان يصلي على نفسه لذلك، فيستحب لنا أيضًا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع والطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات واظهار المسرّات) .

هذه الحادثة ولو صحت لما كان فيها دليل لما رمى إليه السيوطي، لاحتمالات كثيرة تصادم الاحتمال الذي ذهب إليه السيوطي، إذ ربما لم يعق عنه جده عند ولادته، أوربما ذبح ذلك لأي غرض آخر، وثمة شيء آخر: هل كرَّر ذلك فيما بقي من عمره حتى يُستدل بها على الاحتفال بالمولد؟!

• الشبهة الرابعة رؤيا منامية رؤيت لإمام من أئمة الكفر، وهو أبو لهب، بعد موته، فقيل له: ما حالك؟ فقال: في النار، إلا أنه يُخفف عني كل ليلة اثنين باعتاقي لثويبة عندما بشّرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم، وبإرضاعها له.

هذه الرؤيا لو رُؤيت لأحد من المؤمنين الصالحين لما أُخذ منها حكم شرعي، فكيف وهي لكافرٍ معاندٍ لرسول الله وحبيبه صلى الله عليه وسلم؟! بجانب أن الكافر لا يثاب على عمل، قال تعالى:"وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءً منثورًا"، وقال:"لئن أشركت ليحبطن عملك"، هذا إذا كان حبه حب تعبد واتباع فكيف إذا كان حبّ حميّة؟!

الخلاصة

• أن الاحتفال بالمولد الشريف بدعة حادثة ليس لها أصل في الدين بأي صورة من صوره، أسبوعية كانت أم سنوية، قرنت بالسماع وبغيره من المحرمات كالاختلاط أم خلت منه.

• أن الذين يحتفلون بمولده الشريف صلى الله عليه وسلم نحسب أن دافعهم إلى ذلك حبه، ولكن الحب وحده لا يكفي، فلا بد من متابعة السنة وموافقة الشرع، فكم طالبٍ أمرًا لم يصبه وراجِ رجاءً فأخطأه، ومؤمل أملًا لم يدركه.

• أن الدين تم وكمُل بحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما لم يكن في ذلك اليوم دينًا وشرعًا فلن يكون اليوم دينًا أو شرعًا.

• أن مجرد الخلاف ليس دليلًا مسوِّغًا للتشبث به مهما كانت درجة ومنزلة قائله، ما لم يكن قائمًا على دليل، فكما قيل:

فليس كل خلافٍ جاء معتبرًا إلا خلافًا له حظٌ من النظر

• أن مرجع المسلمين عند الخلاف والنزاع إلى الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة، لا إلى قول فلان وعلان.

• أن الدين ليس بالرأي والعقل، وإلا لكان باطن الخف أولى بالمسح عليه من ظاهره، كما قال الخليفة الراشد عمر رضي الله عنه، ولهذا فإن التحسين والتقبيح العقليين لا قيمة لهما البتة في أمور الشرع، فما تراه أنت حسنًا يستقبحه غيرك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت