فهرس الكتاب

الصفحة 747 من 1363

فالمراد بالبدعة هنا البدعة اللغوية لا الشرعية، إذ صلاة القيام جماعة لها أصل في السنة، فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم يومين أو ثلاثة، وعندما اجتمعوا له بعد ذلك لم يخرج عليهم خشية أن تُفرض عليهم، وكان صلى الله عليه وسلم يحب التخفيف على الأمة، بجانب أنها من عملِ عمر وعملُ عمر سنة يُقتدى بها.

• زعم بعض أهل العلم ـ القرافي وابن الصلاح رحمهما الله ـ أن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة، وهذا وهم منهما وممن قلدهما، والله يتجاوز عنا وعنهما، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم مهما كانت منزلة القائل.

المقدمة الثالثة

هل هناك من علاقة بين المصالح المرسلة وبين المحدثات البدائع التي ليس لها أصل في الدين؟

هناك خلط بين البدع والمصالح المرسلة، والمصالح المرسلة هي كل ما جلب خيرًا أو دفع ضرًا، ولم يرد في الشرع ما يثبته أو ينفيه، مع موافقته لمقاصد الشرع وحاجة الناس الماسة له، نحو كتابة القرآن وجمعه في مصحف في عهد الخليفتين الراشدين أبي بكر وعثمان رضي الله عنهما، وكتابة العلم، وتدوين السنة، واتخاذ المحراب، وسنّ عثمان للأذان الأول للجمعة عندما توسعت المدينة وكَثُر الناس بها، ونحو ذلك؛ فهل هناك من علاقة بين هذه المصالح المرسلة من ناحية وبين المحدثات البدائع التي ليس لها أصل في الدين، نحو الاحتفال بالموالد والحوليات وما شاكلها؟ هل هناك من علاقة بين ما فعله السلف الصالح، واقتضته المصلحة، وحتّمته الحاجة، وبين ابتداع الخلَف لأمور ما أنزل الله بها من سلطان، ولم تؤثر عن عَلَم من الأعلام؟! اللهم لا وألف لا.

متى ظهرت بدعة الاحتفال بالمولد الشريف ؟ ومن أول من أحدثها ؟

لم تظهر هذه البدعة إلا في نهاية الربع الأول من القرن السابع الهجري، أي في عام 625هـ، على يد الملك المظفّر أبي سعيد كوكبري صاحب إربل سامحه الله، المتوفى 630هـ، أحد حكام المماليك.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تاريخه: (وكان يعمل المولد الشريف في ربيع الأول، ويحتفل به احتفالًا هائلًا... وقد صنف الشيخ أبوالخطاب ابن دحية له مجلدًا في المولد النبوي سماه:"التنوير في مولد البشير النذير"، فأجازه على ذلك بألف دينار.

ثم حكى عن سبط ابن الجوزي أنه قال: حكى بعض من حضر سِماط المظفر في بعض الموالد كان يمد في ذلك السماط خمسة آلاف رأس مشوي، وعشرة آلاف دجاجة، ومائة ألف زبدية، وثلاثين ألف صحن حلوى، وكان يحضر عنده المولد أعيان العلماء والصوفية، فيخلع عليهم ويطلق لهم، ويعمل للصوفية سماعًا من الظهر إلى الفجر (!!) ، ويرقص بنفسه معهم (!!) .

فلو كان الاحتفال بالمولد الشريف دينًا مشروعًا لما غفل عنه الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان في القرون الفاضلة وعُني به المتخلفون عن السنة؛ والله لو كان خيرًا لما سبق إليه المظفر وقصر عنه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ولم ينبه عليه الأئمة المقتدى بهم؛ فالخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع؛ ورحم الله مالكًا الإمام فقد كان من أشد الأئمة بغضًا للابتداع في الدين ولهذا كان دائمًا ينشد:

وخيرُ أمورِ الدينِ ما كان سنةً وشرُّ الأمورِ المحدثاتُ البدائعُ

ولله در التابعي الجليل والإمام القدير وأحد تلاميذ ابن مسعود رضي الله عنه إبراهيم النخعي رحمه الله حيث قال: (لو رأيت الصحابة رضي الله عنهم يتوضؤون إلى الكعبين ما توضأت إلا كذلك وأنا أقرأها إلى المرفقين وذلك أنهم لا يُتهمون في ترك سنة، وهم أرباب العلم، وهم أحرص خلق الله على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يظن ذلك بهم أحد إلا ذو ريبة) .

أقوال وفتاوى بعض أهل العلم في بدعية الاحتفال بالمولد الشريف

لقد أفتى العديد من أهل العلم قديمًا وحديثًا ببدعية الاحتفال بالمولد الشريف، ولكننا سنشير إلى فتوى ثلاثة من الأقدمين وهم:

تاج الدين عمرو بن علي اللخمي الشهير بالفاكهاني (654 - 734ه )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت