أيها الإخوة المؤمنون ... في الدرس الماضي أنهينا بفضل الله عزَّ وجل حقوق الآباء على الأبناء ، وها نحن أولاء في هذا الدرس ننتقل إلى موضوعٍ آخر متمَّمٍ للأول ألا وهو حقوق الأبناء على الآباء ، لأن كل حقٍ يقابله واجب ، وكل واجبٍ يقابله حق ، فما دام للآباء حقوقٌ على الأبناء ، لابدَّ من أن يكون للأبناء حقوقٌ على الآباء ، والحديث الشريف الذي تعرفونه جميعًا:
"رحم الله والدًا أعان ولده على برِّه"
موضوع حقوق الزوج على الزوجة ، وحقوق الزوجة على الزوج ، وموضوع حقوق الآباء على الأبناء ، وحقوق الأبناء على الآباء ، هذه موضوعاتٌ دقيقةٌ جدًا ، لأنه ما من واحدٍ من الإخوة الحاضرين إلا وتمسُّه هذه الموضوعات ، فإذا أدَّيت ما عليك من حقوق صار الطريق إلى الله سالكًا ، وإذا كان هناك تقصيرٌ ، أو مجاوزةٌ ، أو جنوحٌ ، أو مخالفةٌ ، أو إساءةٌ كانت هذه الأعمال حجابًا بين العبد وبين ربه ، والحديث الذي تعرفونه أيضًا جميعًا هو أن الإنسان قد يستحق النار يوم القيامة فيقف بين يدي الله عزَّ وجل ويقول:
"يا رب لا أدخل النار حتى أًُدخِل أبي قبلي"
وهذا الطفل الذي شبَّ على الانحراف ، وشجَّعته أمه الجاهلة على ذلك ، وكبر وارتكب جريمةً استحقَّ عليها الإعدام ، قُبَيْلَ إعدامه طلب أن يلتقي أمه ـ هكذا الصحيح ـ أكثرهم يقول: أن يلتقي بأمه ، فلما جئ له بأمه قال: مدي لسانك كي أقبِّله . مدَّت لسانها فعضَّه وقطعه ، وقال: لو لم يكن هذا اللسان مشجِّعًا لي على الجرائم ما فقدت حياتي ..
إهمال تربية البنينَ جنايةٌ عادت على الآباءِ بالويلاتِ
إذًا الحديث النبوي الشريف:
"رحم الله والدًا أعان ولده على برِّه"
هو عنوان هذا الموضوع: حقوق الأبناء على الآباء .
يا أيها الإخوة الأكارم ... جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه، يشكو إليه عقوق ابنه ، فأحضر سيدنا عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه ابنه وأنَّبه على عقوقه لأبيه . فقال الابن:"يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوقٌ على أبيه ؟". قال:"بلى". فقال"فما هي يا أمير المؤمنين ؟". قال:"أن ينتقي أمه ، وأن يحسن اسمه ، وأن يعلِّمه الكتاب ـ القرآن ـ". فقال الابن:"يا أمير المؤمنين إنه لم يفعل شيئًا من ذلك ، أما أمي فإنها زنجيةٌ كانت لمجوسي ، وقد سماني جُعْلًا ـ أي خنفساء ـ ولم يعلمني من الكتاب حرفًا واحدًا". فالتفت أمير المؤمنين إلى الرجل وقال له:"أجئت تشكو عقوق ابنك ، لقد عققته قبل أن يعقَّك، وأسئت إليه قبل أن يسئ إليك؟".
هذا النص أن ينتقي أمه ، وأن يحسن اسمه ، وأن يعلِّمه القرآن ، فإذا أهمل الأب هذه الأشياء يكون قد عَقَّ ابنه قبل أن يعقَّه ابنه ، ويكون الأب قد أساء إليه قبل أن يسئ الابن إلى أبيه .
فأول واجبٍ على الآباء تجاه الأبناء أن يحسن الأب اختيار الزوجة، إن هذا الواجب يسبق وجود الولد ، الواجب الأول بل هو أخطر واجب إنه يسبق وجود الولد ، وهو أن يحسن اختيار أمه .
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
"خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة صالحة تسره إذا نظر إليها ، وتطيعه إذا أمرها ، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها"
من كنز العمال: عن"يحيى بن جعدة مرسلا"
فأثمن شيءٍ أن تحسن اختيار الزوجة ، ينبغي أن تكون الزوجة صالحة"تسرُّه إذا نظر إليها"أي أنها نظيفة ،"وتطيعه إذا أمرها ، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها".
وفي حديثٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه قيل يا رسول الله:
"أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ"*
(من سنن الترمذي: عن أبي هريرة)
في هذا الحديث ليس فيه كلمة إليها ، أي إذا نظر إلى غرفة النوم تسره ، منظَّمة ومرتَّبة، والملاءة نظيفة ، وإذا نظر إلى المطبخ تسرُّه ، وإذا نظر إلى أولاده تسرُّه ، وإذا نظر إلى البيت إجمالًا تسرُّه ، أي أنها تقوم بواجبها خير قيام ، أي تحسن تبعُّل زوجها .
والنبي عليه الصلاة والسلام كما تعرفون يقول:
"اعلمي أيتها المرأة وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل ذلك كله ـ يعني الجهاد في سبيل الله ـ"
(من كنز العمال: عن أسماء بنت يزيد الأنصاريَّة)
"تسره إذا نظر ، ولا تعصيه إذا أمر ، ولا تخالفه بما يكره في نفسها وماله"
(من المأثور: عن معاذ)
هذه صفات الزوجة الصالحة ، لأن اختيار الزوجة الصالحة أول واجبٍ على الآباء تجاه الأبناء الذين سوف يأتون إلى الدنيا .
وفي حديثٍ آخر عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
"تنكح المرأة على إحدى خصال ؛ لجمالها ، ومالها ، وخُلُقها ، ودينها فعليك بذات الدين والخلق تربت يمينك"
رواه أحمد بإسنادٍ صحيح وابن حبَّان في صحيحه
وفي حديثٍ آخر عن النبي عليه الصلاة والسلام ، رواه البخاري ومسلم ، يقول عليه الصلاة والسلام: