قال القرطبي رحمه الله: (واختلفوا في الوطء بالزنى هل يحرم أم لا؟ فقال أكثر أهل العلم لو أصاب رجل امرأة بزنى، لم يحرم عليه نكاحها بذلك، وكذلك لا تحرم عليه امرأته إذا زنى بأمها، أوبابنتها، وحسبه أن يقام عليه الحد ثم يدخل بامرأته. ومن زنى بامرأة ثم أراد نكاح أمها أوابنتها لم تحرما عليه بذلك. وقالت طائفة: تحرم عليه. روي هذا القول عن عمران بن حصين، وبه قال الشعبي وعطاء، والحسن، وسفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي، وروي عن مالك، وأن الزنى يحرم الأم والابنة، وأنه بمنزلة الحلال. وهو قول أهل العراق. والصحيح من قول مالك وأهل الحجاز أن الزنى لا حكم له لأن الله سبحانه وتعالى قال:"وأمهات نسائكم"وليست التي زنى بها من أمهات نسائه، ولا ابنته من ربائبه، وهو قول الشافعي وأبو ثور، لأنه لما ارتفع الصداق في الزنى، ووجوب العدة، والميراث، ولحوق الولد، ووجوب الحد، ارتفع أن يحكم له بحكم النكاح الجائز. وروى الدارقطني من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامرأة فأراد أن يتزوجها أو ابنتها، فقال:"لا يحرم الحرام الحلال إنما يحرم ما كان بنكاح"، ومن الحجة للقول الآخر إخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج وقوله:"يا غلام، من أبوك؟"قال: فلان الراعي. فهذا يدل على أن الزنى يحرم كما يحرم الوطء الحلال، فلا تحل أم المزني بها ولا بناتها لآباء الزاني ولا لأولاده، وهي رواية ابن القاسم في المدونة) .
تاسعًا: زواج الرجل بنته أوأخته أوبنت ابنه من الزنا
ذهب العامة من أهل العلم إلى أن البنت أوالأخت من الزنى لا تحل لمن زنى بأمها، وأباح ذلك الشافعي وعبد الملك بن الماجشون من المالكية رحمهما الله.
قال القرطبي:(اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته من زنى، أوأخته، أوبنت ابنه من زنى، فحرم ذلك قوم منهم ابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأجاز ذلك آخرون، منهم عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي.
وقال: ويستدل به أيضًا ـ قول جريج:"يا غلام من أبوك"على أن المخلوقة من ماء الزنى لا تحل للزاني بأمها، وهو مشهور. قال عليه السلام:"لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها"، ولم يفصل بين الحرام والحلال، وقال عليه السلام:"لا ينظر الله إلى من كشف قناع امرأة وابنتها"، قال ابن خويزمنداد: ولهذا قلنا إن القبلة، وسائر وجوه الاستمتاع ينشر الحرمة. وقال عبد الملك بن الماجشون: إنها تحل، وهو الصحيح لقوله تعالى:"وهو الذي خلق من الماء بشرًا فجعله نسبًا وصهرًا"يعني بالنكاح الصحيح.. ووجه التمسك بالحديث على تلك المسألتين أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكى عن جريج أنه نسب ابن الزنى للزاني، وصدق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق الصبي بالشهادة له بذلك، وأخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم عن جريج في معرض المدح، وإظهار كرامته فكانت تلك النسبة صحيحة بتصديق الله تعالى، وبإخبار النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فثبتت البنوة وأحكامها. فإن قيل: فيلزم على هذا أن تجري أحكام البنوة والأبوة من التوارث والولايات وغير ذلك، وقد اتفق المسلمون على أنه لا توارث بينهما فلِمَ تصح تلك النسبة؟ فالجواب: إن ذلك موجب ما ذكرناه. وما انعقد عليه الإجماع من الأحكام استثنيناه، وبقي الباقي على أصل ذلك الدليل، والله أعلم).
عاشرًا: التحريم باللواط
اختلف أهل العلم في ذلك، هل يحرم النكاح باللواط أم لا ؟على قولين: ذهب الجمهور أبو حنيفة ومالك، والشافعي أن النكاح لا يحرم باللواط ، وذهب الثوري وأحمد أن من فجر بصبي فقد حرمت عليه أمه وأخته.
وقال الأوزاعي: إذا لاط بغلام، وولد للمفجور به بنت، لم يجز للفاجر أن يتزوجها لأنها بنت من قد دخل به وهو قول أحمد بن حنبل.
والصواب ما ذهب إليه الجمهور من أن النكاح لا يحرم باللواط لأنه شذوذ وهو ضد الفطرة السليمة .
أحد عشر: تحريم حليلة الابن سواء كان من نسب أو رضاع
يحرم على الرجل حليلة ابنه سواء كان من نسب أورضاع، أما من تبنٍ فلا، لقوله عز وجل:"وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم"، وقوله صلى الله عليه وسلم:"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب"الحديث.
الثاني عشر: إذا طلق الرجل امرأة يملك رجعتها
أجمع العلماء على أن ليس له أن ينكح أختها، أورابعة، أويجمع بينها وبين عمتها، أوخالتها، إلا بعد انقضاء عدتها.
أما من طلق من لا يملك رجعتها فاختلف فيه، قيل ينتظرها حتى تنقضي عدتها، وقيل لا يلزمه ذلك.
فمن قال لا ينكح حتى تنقضي عدتها منهم علي، وزيد، ومجاهد، وعطاء بن أبي رباح، والنخعي، وسفيان الثوري، وأحمد بن حنبل، وأصحاب الرأي.
ومن قال له أن ينكح زيد بن ثابت وعطاء في رواية عنهما، وسعيد بن المسيب، والحسن، والقاسم، وعروة بن الزبير، وابن أبي ليلى، والشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، قال ابن المنذر: ولا أحسبه إلا قول مالك وبه أقول.