فهرس الكتاب

الصفحة 659 من 1363

كما ذكرت فإن جمهور العلماء على أن المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها الذي توفي عنها زوجها وهي فيه، وحجتهم في ذلك ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زينب بنت كعب بن عجرة عن الفريعة بنت مالك، أخت أبي سعيد الخدري رضي الله عنهما:"أنها جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة، فإن زوجها خرج في طلب أعبد له أبقوا حتى إذا كان بطريق القدوم لحقهم فقتلوه، فسألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أرجع إلى أهلي، فإنه لم يتركني في مسكن يملكه، ولا نفقة؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم؛ فخرجتُ، حتى إذا كنتُ في الحجرة أوفي المسجد دعاني - أوأمر بي- فدُعيت فقال: كيف؟ قالت: فرددتُ عليه القصة التي ذكرتُ من شأن زوجي، قالت: فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله؛ قالت: فاعتددتُ فيه أربعة أشهر وعشرًا؛ قالت: فلما كان عثمان رضي الله عنه أرسل إليَّ فسألني عن ذلك فأخبرته، فقضى به واتبعه".

وذكر ابن القيم في زاد المعاد أن ابن عبد البر قال:"هذا حديث مشهور معروف عند علماء الحجاز والعراق".

وبجانب حديث الفريعة هذا هناك آثار كثيرة تؤيد ما ذهب إليه الجمهور أوردها ابن القيم في كتابه زاد المعاد، نذكر طرفًا منها:

قال وكيع حدثنا الثوري عن منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيب:"أن عمر بن الخطاب ردَّ نسوة من ذي الحليفة حاجات أومعتمرات توفي عنهن أزواجهن".

قال عبد الرازق عن مسيكة:"أن امرأة قد توفي عنها زوجها زارت أهلها فضربها الطلق، فأتوا عثمان فقال: احملوها إلى بيتها وهي تطلق".

روى عبد الرزاق عن ابن عمر:"أنه كانت له بنت تعتد من وفاة زوجها، وكانت تأتيهم بالنهار فتتحدث إليهم، فإذا كان الليل يأمرها أن ترجع إلى بيتها".

وروى ابن أبي شيبة عن ثوبان:"أن عمر رخص للمتوفى عنها أن تأتي أهلها بياض يومها".

وروى عبد الرزاق عن مجاهد قال:"كان عمر وعثمان - رضي الله عنهما - يرجعانهن حاجات ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة".

وذكر عبد الرزاق أيضًا عن علقمة قال:"سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن نساء من همدان نعي إليهن أزواجهن؟ فقلن: إنا نستوحش؛ فقال ابن مسعود: تجتمعن بالنهار، ثم ترجع كل امرأة منكن إلى بيتها باليل".

وذكر الحجاج بن منهال قال: حدثنا أبو عوانة عن منصور عن إبراهيم:"أن امرأة بعثت إلى أم سلمة رضي الله عنها أم المؤمنين: أن أبي مريض وأنا في العدة، أفآتيه فأمرضه؟ فقالت أم سلمة: نعم، ولكن بيتي أحد طرفي الليل في بيتك".

والآثار في هذا المعنى كثيرة جدًا، ونكتفي بهذا القدر، وكما قلت فإن هذا هو قول جمهور العلماء كما بينه ابن القيم في زاد المعاد: أحمد، ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والأوزاعي، وأبي عبيدة، وإسحاق.

وقال ابن القيم: (قال ابن عبد البر: وبه تقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، ومصر، وحجة هؤلاء حديث الفريعة بنت مالك، وقد تلقاه عثمان بالقبول، وقضى به بحضرة المهاجرين والأنصار، وتلقاه أهل المدينة، والشام، والعراق، ومصر بالقبول) .

من يجوَِّز لها الانتقال عن بيت زوجها الذي توفي عنها وهي فيه، وحجتهم

وروي عن علي وابن عباس رضي الله عنهما أنه يجوز للمتوفى عنها زوجها أن تعتد أنى شاءت، واحتجوا بأمرين هما كما ذكرهما ابن القيم في زاد المعاد:

1.أن الله عز وجل أمر المتوفى عنها زوجها أن تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ولم يأمرها بمكان معين.

2.وبما رواه أبو داود قال عطاء قال ابن عباس:"نسخت هذه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت"، والآية هي قوله تعالى:"فإن خرجن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم"، قال عطاء: إن شاءت خرجت، لقوله:"فإن خرجن فلا جناح.."الآية.

3.وكذلك روى عبد الرزاق عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها:"أنها كانت تفتي المتوفى عنها زوجها بالخروج في عدتها، وخرجت بأختها أم كلثوم حين قتل طلحة بن عبيد الله في الفتنة إلى مكة المكرمة في عمرة".

والصواب والله أعلم ما ذهب إليه جمهور هذه الأمة سلفًا وخلفًا - من أنها يجب عليها أن تعتد في المنزل الذي توفي عنها زوجها وهي فيه، لا تخرج منه إلا لضرورة - وذلك لورود هذه السنة الصريحة الصحيحة - أعني حديث الفريعة - التي تلقاها أكابر الصحابة بالقبول، ولما في ذلك من الوفاء لعقد الزوجية الذي شرعت العدة من أجله، وللزوج، فاعتدادها في بيته أكبر دليل على وفائها له.

هذا كله إذا لم يكن هناك مانع من بقائها فيه، مثل منع الورثة لها من السكنى فيه، أوطلبوا منها أن تدفع لهم أجرًا، أوكان البيت مؤجرًا فطلب صاحبه زيادة الأجرة، ويمكنها أن تسكن مع أهلها، أوكان زوجها موظفًا يسكن في بيت حكومي، وطلب منها أن تخلي البيت، أوكان زوجها يعمل خارج بلده، وما شاكل ذلك، فلا حرج عليها أن تنتقل منه والأمر هكذا، أما بدون ضرورة فلا تخرج.

تنبيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت