فهرس الكتاب

الصفحة 657 من 1363

ورد ابن القيم رحمه الله على ذلك بقوله: هذا مثل قوله تعالى في لباس الذهب: لا ينبغي هذا للمتقين؛ فلا يدل على أنه ينبغي لغيرهم، وكذلك قوله:"لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانًا"، فلا يدل على أنه ينبغي لغيرهم أن يكونوا كذلك.

و سبب هذا الخلاف في وجوب إحداد الذمية وعدمه راجع إلى اختلافهم: هل الإحداد هو حق للزوج أم حق لله؟ فالذين يرون أنه حق للزوج يوجبونه، والذين يرون أنه حق لله لا يوجبونه، ويقولون إنها مطالبة أولًا بالإيمان ثم بعد ذلك تؤمر وتنهى).

والصواب والله أعلم أن الاحداد حق للزوج، وإكرامًا لعقد الزوجية، وتبرأة للرحم، فالذمية إذن مطالبة به، وينبغي أن تجبر على ذلك، والله أعلم.

ما تمنع منه المحتدة

تمنع المحتدة على زوجها من الآتي:

1.الطيب.

2.الزينة: في البدن، الثوب، والحلي.

1.الطيب

تمنع المحتدة على زوجها في عدتها عن كل أنواع الطيب، كالمسك، والعنبر، والكافور، والند، والبخور، وماء الورد، والزهر، والياسمين، وعن كل أنواع الروائح الزيتية والغير زيتية.

وكذلك تمنع عن صابون الحمام ذي الرائحة، وكل أنواع الدهانات والكريمات ونحوها، ولا تمنع من استعمال الزيت، والسمن، وما ليس فيه رائحة.

2.الزينة

كما تمنع أيضًاعن الزينة، والزينة تكون في البدن والثوب والحلي.

أ. في البدن

يحرم على المحتدة على زوجها الخضاب بالحناء أوأن تحمر وجهها، وشفتيها، وغيرهما، وكذلك يحرم عليها النقش والكحل، ومنعها بعض الفقهاء من الكحل حتى ولو اضطرت إليه، كما أثر عن ابن حزم.

نقل الإمام ابن القيم رحمه الله عن ابن حزم قوله: (لا تكتحل ولو ذهبت عيناها لا ليلًا ولا نهارًا.

وحجة ابن حزم رحمه الله ما جاء في الصحيحين عن زينب بنت أم سلمة قالت: سمعت أمي أم سلمة تقول:"جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عيناها أفأكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا"، مرة، أومرتين، أوثلاثًا، كل ذلك يقول:"لا"، ثم قال:"إنما هي أربعة أشهر وعشرًا، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي البعرة على رأس الحول"، فقالت زينب: كانت المرأة في الجاهلية إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشًا ولبست شر ثيابها، ولم تمس طيبًا، ولا شيئًا حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة - حمارًا، أوشاة، أو طيرا - فتقتض به، فقلما تقتض بشيءٍ إلآَّ مات، ثم تخرج فتعطى بعرة، فترمى بها، ثم تراجع بعد ما شاءت من طيب أو غيره"، قال مالك: تقتض: تدلك به جلدها.

وكذلك احتج المانعون للكحل وغيره من أنواع الطيب بما روته أم عطية الأنصارية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"لا تحد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام، إلآَّ على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبا مصبوغًا إلآَّ ثوب عصب، ولا تكتحل، ولاتمس طيبًا إلآَّ إذا طهرت نبذة من قسط أوأظفار".

وكذلك ذكر مالك رحمه الله حديثًا يؤيد ما ذهب إليه ابن حزم عن صفية بنت عبيد - زوج عبدالله بن عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما:"انها اشتكت عينها وهي حاد على زوجها عبد الله، فلم تكتحل حتي كادت عيناها ترمضان".

وقال الجمهور كمالك، والشافعي، وأبي حنيفة وغيرهم يجوز للمحتدة الاكتحال ليلًا ثم تمسحه نهارًا إذا اضطرت إليه - أي الاكتحال بِكُحْلِ الإثمد تداويًا لا زينة، وحجتهم في ذلك فتوى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم التي رواها أبو داود عن أم حكيم بنت اسيد عن أمها:"أن زوجها توفي وكانت تشتكي عينها، فتكتحل بالجلاء، فأرسلت مولاة لها إلى أم سلمة، فسألتها عن كحل الجلاء؟ فقالت: لا تكتحلي به إلآَّ من أمر لابد منه يشتد عليك، فتكتحلين بالليل وتمسحينه بالنهار".

قالت عند ذلك أم سلمة رضي الله عنها: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوسلمة، وقد جعلت عليَّ صِبْرًا، فقال ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صِبْر يا رسول الله ليس فيه طيب؛ فقال: إنه يشب الوجه فلا تجعليه إلآَّ ليلًا وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشظي بالطيب، ولا الحناء فإنه خضاب؛ قالت، قلت: وبأي شيءٍ امتشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر تغلفين به رأسك.

والصواب ما ذهب إليه الجمهور من جواز الاكتحال وما في معناه للمحتدة إن اضطرت لذلك، وأرادت به التداوي ولم ترد به الزينة، فإن الضرورات تبيح المحظورات، فقد أبيح للمضطر أكل الميتة، فإذا اضطرالمرء لأكلها ولم يأكلها حتى مات دخل النار، وأباح الرسول صلى الله عليه وسلم لبس الحرير للزبير ابن العوام لحكة ألمَّت به، وهو كما نعلم حرام على ذكور هذه الأمة، فما بالك باستعمال الكحل لعلاج العينين، وهما حبيبتا كل إنسان، وإذا فقدهما فقد نعمة من أكبر النعم؟

ب. زينة الثياب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت