و"الإله"هو المعبود المطاع، الذي تألهه القلوب بالمحبة، والتعظيم، والخضوع، والخوف، وتوابع ذلك من بقية أنواع العبادة.
واسم"الله"علم على ذات الرب تعالى المقدسة، لا يطلق إلا عليه سبحانه وتعالى، وأصله"إله"حذفت الهمزة، وعوض مكانها"أل"التعريف (4) .
فهذه الكلمة العظيمة تشتمل على ركنين أساسين:
الأول:"النفي"، وهو نفي الإلهية عن كل ما سوى الله تعالى، ويدل عليه كلمة"لا إله"فهي تنفي أن يكون غير الله تعالى مستحقًا للعبادة.
الثاني:"الإثبات"، وهو إثبات الإلهية لله تعالى، ويدل عليه كلمة"إلا الله"فهي تثبت أن الله تعالى هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له (5) . فالله جل وعلا هو المستحق للعبادة وحده؛ لأنه الخالق، الرازق، المالك، المدبر لجميع الأمور، فيجب على جميع العباد أن يفردوه بالعبادة شكرًا له على نعمه العظيمة عليهم، كما سبق بيان ذلك مفصلًا عند الكلام على توحيد الربوبية.
فهذه الكلمة هي حقًا: كلمة التوحيد، والعروة الوثقى، وكلمة التقوى، وفي شأنها تكون السعادة والشقاوة، في الدنيا، وفي القبر، ويوم القيامة، فبالتزامها والقيام بحقوقها تثقل الموازين، وبه تكون النجاة من النار بعد الورود، والفوز بجنات النعيم، وبعدم التزامها أو التفريط في حقوقها تخف الموازين، ويكون العذاب في القبر، وفي يوم القيامة، وفي نار الجحيم.
وهي حق الله على جميع العباد، وهي أول واجب، وآخر واجب، فهي أول ما يدخل به العبد في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا (6) .
شروطها ونواقضها:
دلت النصوص الشرعية الكثيرة على أن الفوائد والفضائل العظيمة لكلمة التوحيد"لا إله إلا الله"، التي سبقت الإشارة إلى بعضها، والتي من أهمها: الحكم بإسلام صاحبها، وعصمة دمه، وماله، وعرضه، ودخول الجنة، وعدم الخلود في النار، أنها لا تحصل لكل من نطق بهذه الكلمة، بل لابد من توافر جميع شروطها، وانتفاء جميع نواقضها، فكما أن الصلاة لا تقبل ولا تنفع صاحبها إلا إذا توافرت جميع شروطها، من الوضوء واستقبال القبلة وغيرهما، وانتفت مبطلاتها، كالكلام، والضحك، والأكل، والشرب وغيرها، فكذلك هذه الكلمة، لا تنفع صاحبها إلا باستكمال شروطها، وانتفاء نواقضها.
ولذلك لما قيل لوهب بن منبه: أليس مفتاح الجنة: لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك (7) . ولما قيل للحسن البصري: إن ناسًا يقولون: من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة؟ قال: من قال: لا إله إلا الله فأدى حقها وفرضها دخل الجنة.
ومن أجل عدم تحقق بعض هذه الشروط لم تنفع هذه الكلمة جميع المنافقين الذين نطقوا بها، وفعل كثير منهم بعض شعائر الإسلام الظاهرة.
ويدل على وجوب توفر شروط هذه الكلمة وعلى وجوب انتفاء موانعها على وجه الإجمال قوله:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوا: لا إله إلا الله عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله" (8) ، فيدخل في حقها: الإتيان بشروطها، واجتناب نواقضها (9) .
وقد دلت النصوص الشرعية على أن لهذه الكلمة العظيمة سبعة شروط، هي:
الشرط الأول: العلم بمعناها الذي تدل عليه، فيعلم أنه لا أحد يستحق العبادة إلا الله تعالى، قال تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله ( 19 ) {محمد: 19} .
الشرط الثاني: اليقين المنافي للشك، فلابد أن يؤمن إيمانًا جازمًا بما تدل عليه هذه الكلمة من أنه لا يستحق العبادة إلا الله تعالى فإن الإيمان لا يكفي فيه إلا اليقين، لا الظن ولا التردد، قال تعالى: إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون 15 {الحجرات: 15} .
فمن كان غير جازم في إيمانه بمدلول هذه الكلمة أو كان شاكًا مرتابًا أو متوقفًا في ذلك لم تنفعه هذه الكلمة شيئًا.
الشرط الثالث: القبول المنافي للرد، فيقبل بقلبه ولسانه جميع مادلت عليه هذه الكلمة، ويؤمن بأنه حق وعدل، قال الله تعالى عن المشركين: إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون 35 ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون 36 {الصافات: 35، 36} .
فمن نطق بهذه الكلمة ولم يقبل بعض مادلت عليه إما كبرًا، أو حسدًا، أو لغير ذلك، فإنه لا يستفيد من هذه الكلمة شيئًا.
فمن لم يقبل أن تكون العبادة لله وحده، ومن ذلك عدم قبول التحاكم إلى شرعه، أو لم يقبل بطلان دين المشركين من عباد الأصنام، أو عباد القبور، أو اليهود، أو النصارى، أو غيرهم، فليس بمسلم.
الشرط الرابع: الانقياد المنافي للترك، فينقاد بجوارحه، بفعل مادلت عليه هذه الكلمة من عبادة الله وحده، قال الله تعالى: ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد \ستمسك بالعروة الوثقى"وإلى الله عاقبة الأمور 22 {لقمان: 22} ، ومعنى"يسلم وجهه": ينقاد، ومعنى"وهو محسن": أي موحد."