فهرس الكتاب

الصفحة 574 من 1363

وهذه الآية نزلت في اليهود والنصارى الذين أطاعوا رهبانهم وأحبارهم ، يعني علماءهم في تحليل ما حرم الله وفي تحريم ما أحل الله ، فجعلهم الله عز وجل متخذين أربابًا من دون الله (( وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ) (التوبة: من الآية31) .

ومن فعل مثل فعلهم كان حكمه حكمهم .

وأما دخوله في توحيد الأسماء والصفات فإن من أسماء الله سبحانه الملك ومن أسمائه الحكم ، فله سبحانه الملك وإليه الحكم ولذلك غير النبي صلى الله عليه وسلم كنية رجل تكنى بأبي الحكم وسماه بأبي شريح معللا ً ذلك بأن الله هو الحكم وإليه الحكم 1 وقد قال الله تبارك وتعالى: (( وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ) ) (الشورى: من الآية10) .

وقال سبحانه (( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) ) (القصص: من الآية88) .

وقال تعالى (( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) ) (يوسف: من الآية40) وقال تعالى: (( وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا ) ) (الكهف: من الآية26) .

وسيأتي مزيد بيان لهذه النقطة عند ما نتحدث عن بعض نواقض كلمة التوحيد إن شاء الله .

من لوازم كلمة التوحيد:

ثم إن كلمة التوحيد قد استلزمت موالاة أولياء الله ومعاداة أعداء الله تبارك وتعالى ، استلزمت محبة المؤمنين وبغض الكافرين ، وهذا أصل من أصول الإيمان ، بل قال بعض أهل العلم: إن الله سبحانه وتعالى ما ذكر بعد الأمر بالتوحيد والنهي عن ضده وهو الشرك في القرآن الكريم أكثر من النهي عن موالاة الكفار ، لذا فإن من والى الكافرين قد وقع في خطر عظيم يوشك أن يصل إلى حد التولّي ، أي تولي الكفار فينقض توحيده - نسأل الله السلامة - أما الموالاة التي لا تصل إلى حد التولّي فإنها معصية عظمى تنقص التوحيد لكنها لا تصل إلى حد نقضه ، وقد حثنا الله على موالاة المؤمنين ، قال تعالى: (( وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ) ) (التوبة: من الآية71)

وحذرنا ربنا جل وعلا من موالاة الكافرين فقال سبحانه: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ) ) (الممتحنة: من الآية1) .

فبين الله عز وجل سبب عداوتهم ، وهو أنهم كفروا بما جاءنا من الحق ، ومن ذلك كفرهم بـ"لا إله إلا الله"فلما كفروا بها وجبت عداوتهم ووجب بغضهم ووجبت مفاصلتهم وحرم على المسلمين أن يوالوهم أو يلقوا إليهم بنوع من المودة والمحبة .

وعلى ضوء ما سبق يتبين لنا أن كل الطاعات بل كل دين الإسلام هو من مقتضى كلمة التوحيد ، كلمة لا إله الله ، وتبين لنا أيضًا أن كل أمور الحياة يجب أن تكون وفق مقتضى لا إله إلا الله ، وتبين لنا أيضًا أن كل أمور الحياة يجب أن تكون وفق مقتضى لا إله إلا الله فهي كلمة شملت جميع الحياة ، فهي منهاج متكامل ، فإنها تبين لنا الطريق الحق في العمل وتبين لنا الطريق الحق في الاقتصاد ، وفي السياسة ، والإعلام ، وفي التعليم والتربية ، فكل أمر من أمور الحياة فهو داخل تحت كلمة"لا إله إلا الله"فهو من مدلولها ومن معناها ، ولذا فإن من قال: إن هناك أمورًا من أمور الحياة خارجة عن مقتضى لا إله إلا الله خارجة عن الإسلام لا يحكمها شرع الله تبارك وتعالى يكون قوله هذا كفرًا بالله جل وعلا ، لأنه مكذوب لله ورسوله .

فمن قال: إنه لا في السياسة ولا سياسة في الدين كان منقضًا لكلمة لا إله إلا الله ، وما أحسن ما قال الشيخ / عبد الرحمن الدوسري - رحمه الله -: إن كلمة لا إله إلا الله كلها سياسة من لامها إلا هائها ، وقد سئل - رحمه الله - أو سأل نفسه في كتيب له: أسئلة وأجوبة في أمور العقيدة في المهمات فقال: كيف لنا بمن يقول الدين علاقة بين العبد وربه فقط لا شأن له في السياسة والحكم ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت