فهرس الكتاب

الصفحة 571 من 1363

ولذا كان مما يجب على المسلم أن يعلم معنى هذه الكلمة العظيمة ويعمل بمقتضاها ليكون من الناجين عند الله تبارك وتعالى ولذا قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ) ) (محمد:19) .

فالعلم بـ"لا إله إلا الله"وبما دلت عليه ، وبحقيقة معناها ضرورة من ضرورات الحياة لا يمكن أن يعيش الإنسان سعيدًا هنيئًا بدونها ، ولا يمكن أن يكون فائزًا في أخراه بدونها .

ومعرفة لا إله إلا الله تكون للاعتقاد ، وتكون للعمل ، لا لأحدهما دون الآخر ، وقد كان العرب في جاليتهم يعرفون معنى كلمة التوحيد ، فبعضهم علم بها وقبلها ، وعمل بمقتضاها فكان من السابقين السعداء .

وبعضهم علم معناها ولكنه أبى الانقياد لها وقبولها فكان من الأشقياء .

فإنهم لما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم وطلب منهم أن يقولوا كلمة واحدة تدين لهم العرب - يعني تطيع - ويملكون بها العجم قالوا له: نعطيك عشر كلمات فقال عليه الصلاة والسلام: (( قولوا لا إله إلا الله ) )فقالوا (( أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ) ) (صّ:5) .

فعلموا المعنى ، وعرفوا أنهم إذا قالوا"لا إله إلا الله"تغيرت حياتهم ، وانتقلوا من حياة إلى حياة وانقطعت صلتهم انقطاعًا تامًا في الاعتقادات والتعبدات بطريقتهم الأولى ، ولما فسد السليقة ، وتغيرت المعرفة بلغة العرب جهل المسلمون معنى كلمة التوحيد ، جهلوا معنى"لا إله إلا الله"فأصبح كثيرون ينطقونها ولكنهم في واقع الأمر ينقضونها .

إذًا لا بد من شرح معنى هذه الكلمة ، ولا بد من بيان ما دلت عليه ، ولا بد من بيان نواقضها حتى يكون المسلم على بصيرة من دينه خاصة في هذا الوقت الذي تكالبت فيه الأمم على أمة الإسلام فكان لزامًا على أمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تعيد النظر في نفسها ، وفي الخلل الذي أضر بها ، وهذا الخلل معظمه من الداخل وأقله من الخارج.

إن أصل الإسلام يقوم على الشهادتين:

شهادة"أن لا إله إلا الله"وشهادة"أن محمدًا رسول الله".

فشهادة أن لا إله إلا الله معناها: توحيد المعبود ، وشهادة أن محمدًا رسول معناها: توحيد المتبوع - عليه الصلاة والسلام - وسنتكلم عن الأولى شهادة"أن لا إله إلا الله"، فمن شهد أن لا إله إلا الله وعلم معناها وعمل بمقتضاها فإنه تلقائيًا يشهد أن محمدًا رسول الله .

إن معنى كلمة"شهادة"في لغة العرب: الخبر القاطع الصادر عن علم ويقين . فتضمنت كلمة الشهادة أمرين:

الأول: علم ويقين ، وهذا يكون في القلب .

الثاني: إخبار وإعلام ، وهذا نطق باللسان ، وهو القول .

وإذا تبين معنى كلمة شهادة فإن كلمة لا إله إلا الله تعنى أنه لا معبود بحق إلا الله تبارك وتعالى. فالإله: مأخوذ من أله يأله ومعنى أله في اللغة:عَبَدَ.

فالإله: هو المعبود المطاع الذي تألهه القلوب ، أي تتجه له وتقصده وتخضع له وتذل له وتتعلق به خشية وإنابة ومحبة وخوفًا وتوكلًا عليه وإخلاصًا له تبارك وتعالى .

فـ"لا إله إلا الله"معناها: لا معبود بحق إلا الله .

وقولنا:"بحق"لنخرج من عُبِدَ بالباطل، وهم كل من صرف له نوع من أنواع العبادة من دون الله تعالى ، وهم كثير من الأصنام ومن الصالحين ومن غيرهم .

فالله تعالى هو المستحق للعبادة وحده ، وكل من عبد سواه فالباطل فلا حق في الألوهية لمخلوق ، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل .

(( ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ ) ) (الحج:62) .

وهذه الكلمة تشتمل على ركنين:

نفي وإثبات .

فالنفي هو قولنا"لا إله"والإثبات هو قولنا"إلا الله".

فـ"لا إله"نفي جميع ما يعبد من دون الله تعالى ،"وإلا الله": إثبات جميع أنواع العبادة لله رب العالمين وحده لا شريك له في عبادته ، كما لا شريك له في ملكه ، وربوبيته ، ففيها إذن براءة من كل ما يعبد من دون الله تبارك وتعالى ، وفيها تحقيق العبودية لله وحده .

وقد جاء معنى الكلمة العظيمة في آيات كثيرة من كتاب الله قال تعالى: (( وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ) ) (النحل:36) .

فقوله تعالى: (( أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ) )هو معنى قوله"إلا الله"وقوله: (( وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ) )هو معنى قوله"لا إله".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت