سابعًا: لا يتوهم من متوهم أن ضعف الأمة وعجزها يحتم الشفقة عليها، ومن ثم يبيح تلك التنازلات حفاظًا على الأمة، حتى لا تستأصل عن آخرها، فإن للدين وللأمة ربًا يحميهما.
أود أن أختم هذه الخواطر بثبات عالم واحد، وهو شاب أسره النصارى بجزيرة مالطة في القرن الثاني عشر الهجري، كما جاء في ترجمته في"سلك الدر"للشيخ محمد المرادي.
والعالم الشاب هو الشيخ محمد بن محمد الطيب المالكي، المتوفى 1191هـ، لتقارن بين سلوك علماء السلف وسلوك بعض علمائنا، ردنا الله وإياهم إلى الحق ردًا جميلًا، عند حدوث الفتن، علمًا بأنه كان أسيرًا مغلوبًا على أمره، وقد صدر منه ما كان يمكن أن يودي بحياته في تلك المناظرات التي خاض غمارها لولا لطف الله، وصدق نيته، وثباته، بينما أولئك النفر آمنون مطمئنون، ومع ذلك فقد صدر منهم ما يندي له الجبين، ويحير الحليم، وإلى الله المشتكى.
ورحم الله القاضي عبد العزيز الجرجاني حين قال:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعُظِّما
ولكن أذلوه جهارًا ودنسوا محياه بالأطماع حتى تجهما
ولهذا صدَّرتُ هذا الموضوع بما قاله لأحد مناظريه من الرهبان، عندما قال له:"كنت أوقعك في المهالك، وأجعلك عبرة، لكن الله أمرنا بحب الأعداء"، فرد عليه في شجاعة العالم، وثبات المؤمن:"لكن الله أمرنا ببغض الأعداء".
كيف لا، وقد قال الله عز وجل:"لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْأَبْنَاءهُمْ أَوْإِخْوَانَهُمْ أَوْعَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".
وإذا كان شرعنا أمرنا ببغض أهل البدع والأهواء، فكيف بالكفرة والمشركين التعساء؟! ولله در أبي الوفاء ابن عقيل، عندما عدَّ تمعُّر الوجوه والعبوس في وجوه أهل البدع أقوى دليل وأعظم برهان على مكانة الإيمان في القلب، فقال:
(إذا أردتَ أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعرى عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون، هذا يقول:"حديث خرافة"، والمعرى يقول:
تَلوْا باطلًا وجَلوْا صارمًا وقالوا: صدقنا، فقلنا: نعم
يعني بالباطل كتاب الله عز وجل، وعاشوا سنين، وعظِّمت قبورهم، واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برود الدين في القلب).
قال ابن مفلح: (وهذا المعنى قاله الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله) .
قال عنه الشيخ خليل المرادي: (ولد بالمغرب الأقصى، وحفظ القرآن وهو ابن ثمان سنين، ثم اشتغل في حفظ المتون على والده، وقرأ عليه"الأجرومية"، وعلى الشيخ محمد السعدي الجزائري"السنوسية"، ومنظومة في العبادات مختصة في المسائل الفقهية، ودرَّس"السنوسية"للطلاب قبل أوان الاحتلام، ورحل من بلاده في البر إلى طرابلس الغرب وما وجبت عليه صلاة ولا صيام، ومن طرابلس ركب البحر إلى الجامع الأزهر، فطلب العلم بمصر سنتين وثمانية أشهر.
ثم سافر لزيارة والدته في البحر، فأسره الفرنج، وذهبوا به إلى مالطة مركز الكفر، ثم نجاه الله تعالى بعد سنتين وأيام، وناظرته رهبان النصارى مناظرة واسعة، وكان فيهم راهب له دراية بالمسائل المنطقية والعربية، ويزعم أن همته بارعة، وكانت مدة المناظرة نحو ثمانية أيام، فأخرسهم الله وأكبتهم، ووقعوا في حيص بيص، فمن جملة مناظرتهم معه في ألوهية عيسى أن قال كبيرهم: يا محمدي، إن حقيقة عيسى امتزجت مع حقيقة الإله فصارتا حقيقة واحدة.
قال: فقلت له: لا يخلو الأمر فيهما قبل امتزاجهما أن تكونا قديمتين أوحادثتين، أوإحداهما قديمة والأخرى حادثة، وكل الاحتمالات باطلة، فالامتزاج على كل الاحتمالات باطل، أما على الأول فإن الامتزاج مفضٍ للحدوث قطعًا، لأنه تركيب بعد إفراد، وكل تركيب كذلك لا محالة حادث، والحادث لا يصلح للألوهية، وأما الثاني فظاهر البطلان، وأما الثالث بوجهيه فباطل أيضًا لأن القديمة منهما بعد الامتزاج يلزم حدوثها، والحادثة منهما بعده يلزم قدمها، فيؤدي إلى قلب الحقائق، وقلبها محال، ويلزم أيضًا اجتماع الضدين، وهو باطل باتفاق العقول.